الذين يعز عليّ ما يؤذيهم (لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ) ولعله وحد قوله : (رِسالَةَ رَبِّي) لكون آيته واحدة (وَنَصَحْتُ) وقصر الفعل وعداه باللام فقال : (لَكُمْ) دلالة على أنه خاص بهم ، روي أنه خرج عنهم في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي ، وكان قومه ألفا وخمسمائة دار ، وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم.
ولما كان التقدير : ففعلت معكم ما هو مقتض لأن تحبوني لأجله ، عطف عليه قوله : (وَلكِنْ) لم تحبوني ، هكذا كان الأصل ولكنه عبر بما يفهم أن هذا كان دأبهم وخلقا لهم مع كل ناصح فقال : (لا تُحِبُّونَ) أي حاكيا لحالهم الماضية (النَّاصِحِينَ) أي كل من فعل فعلي من النصح التام.
(وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥))
ولما أتم سبحانه ما وفى بمقصد هذه السورة في هذا السياق من قصتهم ، أتبعه من بعده ممن تعرفه العرب كما فعل فيما قبل فقال : (وَلُوطاً إِذْ قالَ) ولما كانت رسالته إلى مدن شتى ، وكأنهم كانوا قبائل شتى ، قيل : كانوا خمسة وهي المؤتفكات ، وقيل : كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة الشريفة ، قال : (لِقَوْمِهِ) وقد جوزوا أن يكون العامل فيه (أرسلنا) و (اذكر) ولا يلزم من تقدير (أرسلنا) أن يكون إرساله في وقت تفوهه لهم بهذا القول غير سابق عليه ، لأنه كما أن ذلك الزمن ـ المنطبق على أول قوله وآخره ـ وقت له فكذلك اليوم ـ الذي وقع فيه هذا القول ـ وقت له ، بل وذلك الشهر وتلك السنة وذلك القرن ، فإن من شأن العرب تسمية الأيام المشتركة في الفعل الواحد يوما ، قالوا : يوم القادسية ، وهو أربعة أيام إن اعتبرنا مدة القتال فقط ، وعدة شهور إن اعتبرنا بالاجتماع له ، وكذا يوم صفين ، وقال تعالى في قصة بدر (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ) إلى أن قال : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ) إلى أن قال : (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ) [الأنفال : ٧] وكلها إبدال من قوله :
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
