بسبب ما فعل ، ليعلم أن الآيات ليست سببا للهداية إلا لمن أردنا ذلك منه ؛ وبين أن الصغار أسرع إلى القبول بقوله : (إِلَّا ذُرِّيَّةٌ) أي شبانهم هم أهل لأن تذر فيهم البركة (مِنْ قَوْمِهِ) أي قوم موسى الذين لهم قدرة على القيام في المحاولة لما يريدونه ، والظاهر أنهم كانوا أيتاما وأكثرهم ـ كما قاله مجاهد (عَلى خَوْفٍ) أي عظيم (مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ) أي أشراف قوم الذرية ؛ ولما كان إنكار الملأ إنما هو بسبب فرعون أن يسلبهم رئاستهم ، انحصر الخوف فيه فأشار إلى ذلك بوحدة الضمير فقال : (أَنْ يَفْتِنَهُمْ) وأتبعه ما يوضح عذرهم بقوله مؤكدا تنزيلا لقريش منزلة من يكذب بعلو فرعون لتكذيبهم لأن ينصر عليهم الضعفاء من أصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم لعلوهم : (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ) أي غالب قاهر متمكن بما فتناه به من طاعة الناس له (فِي الْأَرْضِ) أي أرض مصر التي هي بكثرة ما فيها من المرافق كأنها جميع الأرض (وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) أي العريقين في مجاوزة الحدود بظاهره وباطنه ، وإذا ضممت هذه الآية إلى قوله تعالى : (وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ) [غافر : ٤٣] كان قياسا بديهيا منتجا إنتاجا صريحا قطعيا أن فرعون من أصحاب النار ، تكذيبا لأهل الوحدة في قولهم : إنه آمن ، ليهونوا المعاصي عند الناس فيحلوا بذلك عقائد أهل الدين.
(وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧))
ولما ذكر خوفهم وعذرهم ، أتبعه ما يوجب طمأنينتهم ، وهو التوكل على الله الذي من راقبه تلاشى عنده كل عظيم ، فقال : (وَقالَ مُوسى) أي لمن آمن به موطنا لهم على أن الجنة لا تنال إلا بمشقة عظيمة «يبتلى الناس على قدر إيمانهم» (١)(يا قَوْمِ) فاستعطفهم بالتذكير بالقرب وهزهم إلى المعالي بما فيهم من القوة ثم هيجهم وألهبهم على الثبات بقوله : (إِنْ كُنْتُمْ) أي كونا هو في ثباته كالخلق الذي لا يزول (آمَنْتُمْ بِاللهِ) وثبتهم بذكر الاسم الأعظم وما دل عليه من الصفات ، وأجاب الشرط بقوله : (فَعَلَيْهِ)
__________________
(١) جيد. أخرجه الترمذي ٢٣٩٨ وابن ماجه ٤٠٢٣ وابن حبان ٢٩٠٠ و ٢٩٠١ و ٢٩٢٠ والحاكم ١ / ٤٠ و ٤١ والدارمي ٢ / ٣٢٠ والبيهقي ٣ / ٣٧٢ وأحمد ١ / ١٨٥ كلهم من حديث سعد بن مالك بأتم منه صححه الحاكم على شرطهما ، ووافقه الذهبي وقال الترمذي : حسن صحيح ا ه وهو كما قالوا ، وفي رواية الترمذي : «فيبتلى الرجل على حسب دينه». ورواية لابن حبان «على حسب دينه».
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
