الغافرين ، عطف عليه (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) أي لأنك تنعم بما لا يحصره الجد ولا يحصيه العد من غير نفع يصل إليك ولا أذى يلحقك بفعل ذلك ولا تركه.
(إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤))
ولما كان السؤال له ولأخيه وهما معصومان من الذنوب ، طوى ما يتعلق بالمغفرة وذكر متعلق الرحمة بخلاف ما يأتي في السؤال له وللسبعين من قومه فإنه عكس فيه ذلك ؛ ولما صحت براءة الخليفة ، وأشير إلى أنه مع ذلك فقير إلى المغفرة ، التفتت النفس إلى حال المفسدين فقال مخبرا عن ذلك : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ) أي رغبوا رغبة تامة في أخذهم إلها مع المخالفة لما ركز في الفطرة الأولى ودعاهم إليه الكليم عليهالسلام (سَيَنالُهُمْ) أي بوعد لا خلف فيه (غَضَبٌ) أي عقوبة فيها طرد أو إبعاد ، ولعله ما أمروا به من قتل أنفسهم ، وأشار إلى أنه فيه رفق بهم وحسن تربية لتوبة من يبقى منهم بقوله : (مِنْ رَبِّهِمْ) أي الذي لا محسن إليهم غيره ، يلحقهم في الدنيا ويتبعهم في الآخرة (وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) أي جزاء لهم على افترائهم وكذلك من رضي فعلهم ولا سيما إن كان من أولادهم كقريظة والنضير وأهل خيبر (وَكَذلِكَ) أي ومثل جزائهم (نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) أي المتعمدين للكذب ، وهذا نص في أن كل مفتر ذليل ، كما هو المشاهد ـ وإن أظهر الجراءة بعضهم.
ولما ذكر المصرين على المعصية ، عطف عليه التائبين ترغيبا في مثل حالهم فقال : (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ) عبر بالعمل إشارة إلى بالعفو وإن أقدموا عليها على علم ، وجمع إعلاما بأنه لا يتعاظمه ذنب وإن عظم وكثر وإن طال زمانه ، ولذلك عطف بأداة البعد فقال : (ثُمَّ تابُوا) وحقق الأمر ونفى المجاز بقوله : (مِنْ بَعْدِها) ثم ذكر الأساس الذي لا يقبل عمل لم يبن عليه على وجه يفهم أنه لا فرق بين أن يكون في السيئات ردة أو لا فقال : (وَآمَنُوا) ثم أجاب المبتدأ بقوله : (إِنَّ رَبَّكَ) أي المحسن إليك بقبول توبة التائبين لما سيرك من ذلك لأنك بهم رؤوف رحيم (مِنْ بَعْدِها) أي التوبة (لَغَفُورٌ) أي محاء لذنوب التائبين عينا وأثرا وإن عظمت وكثرت (رَحِيمٌ) أي فاعل بهم فعل الرحيم من البر والإكرام واللطف والإنعام ، وكأن المصرين هم الذين قتلوا لما أمرهم موسى عليهالسلام بقتل أنفسهم ، فلما أهلك المصرّ وتاب الباقي ،
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
