يعظمون إلا بذلك ، وهو أجهل الجهل لأن الرسل أتت للتزهيد في الدنيا وانظر إلى رضاهم لأنفسهم بالعدول عن البينة إلى اتباع الظن ما أردأه! وهذا أفظع مما حكي هنا من قول قريش (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ) وأبشع ؛ والبشر : الإنسان لظهور بشرته أي ظاهر جلده لأن الغالب على غيره من الحيوان سترها بالصوف أو الشعر أو الوبر أو الريش ؛ والمثل : الساد مسد غيره في الحس بمعنى أنه لو ظهر للمشاهدة لسد مسده ؛ والرذل : الحقير بما عليه من صفات النقص وجمعه ؛ والفضل : الزيادة من الخير ، والإفضال : مضاعفة الخير التي توجب الشكر.
(قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠))
ولما كان ختام جوابهم أشده ، بدأ في جوابه برده مبينا لضلالاتهم مغضيا عن شناعاتهم شفقة عليهم ومحبة لنجاتهم ، فقال تعالى حكاية عنه : (قالَ يا قَوْمِ) وشرع يكرر هذه اللفظة كل قليل تذكيرا لهم أنه منهم لتعطفهم الأرحام وتردهم القرابات عن حسده أو اتهامه إلى قبول ما يلقي إليهم من الكلام ، وأشار بأداة البعد ـ مع قربهم ـ إلى مباعدتهم فيما يقتضي غاية القرب (أَرَأَيْتُمْ) أي أخبروني (إِنْ كُنْتُ) على سبيل الفرض منكم والتقدير (عَلى بَيِّنَةٍ) أي برهان ساطع ، وزاد ترغيبا فيه بقوله : (مِنْ رَبِّي) أي الذي أوجدني وأحسن إليّ بالرسالة وغيرها يشهد بصحة دعواي شهادة لا يتطرق إليها عند المنصف شبهة فكيف بالظن! (وَآتانِي) فضلا منه عليّ لا لمعنى فيّ أزيد عليكم به ، بل (رَحْمَةً) أي إكراما بالرسالة بعد النبوة ، وعظمها بقوله : (مِنْ عِنْدِهِ) فيها فضل عظيم النور واضح الظهور.
ولما كانت البينة من الرحمة ، وحد الضمير فقال : (فَعُمِّيَتْ) أي فتسبب عن تخصيصي بها أن أظلمت ، ووقع ظلامها (عَلَيْكُمْ) أي فعميتم أنتم عنها لضعف عقولكم ولم يقع عليكم شيء من نورها ، وذلك أن الدليل إذا كان أعمى عاد ضرره على التابع بالحيرة والضلال ، وهو معنى قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالبناء للمفعول مشددة (أَنُلْزِمُكُمُوها) وقوله : (وَأَنْتُمْ) لما (كارِهُونَ) مع تسميته لها بينة ـ إشارة إلى أنها لم تعم ولا خفيت عليهم لقوة نورها وشدة ظهورها ، وإنما هم معاندون في نفيهم لفضله وفضل من تبعه ، والتعبير عن ذلك بالجملة الاسمية واسم الفاعل إشارة إلى
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
