ما تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ) [الحاقة : ٤١ ، ٤٢] فكما أن قول الشاعر إتيانه بالكلام موزونا ، فكذلك قول الكاهن إتيانه بالكلام مسجوعا والقرآن ليس من هذا ولا من هذا. وإن وقع فيه كل من الأمرين فغير مقصود إليه ولا معول عليه ، بل لكون المعنى انتظم به على أتم الوجوه فيؤتى به لذلك ، ثم تبين أنه غير مقصود بالانفكاك عنه في كثير من الأماكن بقرينة ليس لها مجانس في اللفظ لتمام المعاني المرادة عندها فيعلم قطعا أن ذلك غير مقصود أصلا لأن مثل ذلك لا يرضى به أقل الساجعين ، بل يراه عجزا وضيقا عن تكميل المشاكلة ونقصا ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، ومما يوجب لك القطع بأن ترتيب هذين الاسمين الشريفين هكذا لغير مراعاة الفواصل قوله تعالى في سورة الحديد (وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) [الحديد : ٢٧] وسيأتي إن شاء الله في سورة طه عن الفخر الرازي والقاضي أبي بكر الباقلاني منع النظر إلى السجع في الكتاب العزيز نقلا عن جميع الأشاعرة ، وإذا تأملت الفواصل في الإتيان بها تارة بكثرة وتارة بقلة ، وتارة تترك بالكلية ويؤتى في كل آية بفاصلة لا توافق الأخرى ، علمت أن هذا المذهب هو الصواب ولا سيما آخر سورة (اقْرَأْ) وإذ تأملت كتب أهل العدد أتقنت علم هذا المستند ، وإذا تأملت ما قلته في هذا النحو من كتابي مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور لم يبق عندك شك في شيء من هذا ، فإياك أن تجنح لهذا القول فتكون قد وقعت في أمر عظيم وأنت لا تشعر ، وأورد سبحانه هذه الآية إيراد المخاطب المتلطف المزيل لما عندهم من الريب بالقسم ، فكأنه قال : ما لكم تنصرفون عن حضرته الشماء وشمائله العلى! والله لقد جاءكم ـ إلى آخره ، ثم أقبل عليه مسليا له مقابلا لإعراضهم إن أعرضوا بالإعراض عنهم والبراءة منهم ملتفتا إلى أول السورة الآمر بالبراءة من كل مخالف ، قائلا مسببا عن النصيحة بهذه الآية التي لا يشك عاقل في مضمونها : (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي اجتهدوا في تكليف فطرهم الأولى أن ولوا مدبرين عنك بالانصراف المذكور أو غيره بعد النصيحة لهم بهذه الآية (فَقُلْ) أي استعانة بالله تفويضا إليه (حَسْبِيَ) أي كافي ؛ قال الرماني : وهو من الحساب لأنه جل ثناءه يعطى بحسب الكفاية التي تغني عن غيره ، ويزيد من نعمته ما لا يبلغ إلى حد ونهاية إذ نعمه دائمة ومننه متظاهرة (اللهُ) أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له ، وإنما كان كافيا لأنه (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) فلا مكافىء له فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه.
ولما قام الدليل على أنه لا كفوء له ، وجب قصر الرغائب عليه فقال : (عَلَيْهِ) أي وحده (تَوَكَّلْتُ) لأن أمره نافذ في كل شيء (وَهُوَ رَبُ) أي مالك ومخترع ومدبر ؛ ولما كان في سياق القهر والكبرياء بالبراءة من الكفار والكفاية للأبرار ، كان المقام
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
