(هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣))
ولما أخبر عن حال المشركين ، تشوفت النفس إلى الاطلاع على حال غيرهم فقال مستأنفا مخبرا عن كلا الفريقين : (هُنالِكَ) أي في ذلك الموقف من المكان والزمان العظيم الأهوال المتوالي الزلزال (تَبْلُوا) أي تخبر وتخالط مخالطة مميلة محيلة (كُلُّ نَفْسٍ) طائعة وعاصية (ما أَسْلَفَتْ) أي قدمت من العمل فيعرف هل كان خيرا أو شرا وهل كان يؤدي إلى سعادة أو شقاوة.
ولما كان مطلق الرد ـ وهو صرف الشيء إلى الموضع الذي ابتدأ منه ـ كافيا في الرهبة لمن له اب ، بني للمفعول قوله : (وَرُدُّوا) أي بالبعث بالإحياء كما كانوا أولا (إِلَى اللهِ) أي الملك الأعظم (مَوْلاهُمُ الْحَقِ) فلم يكن لهم قدرة على قصد غيره ولا الالتفات إلى سواه من تلك الأباطيل ، بل انقطع رجاءهم من كل ما كانوا يدعونه في الدنيا ، وهو المراد بقوله : (وَضَلَّ عَنْهُمْ) أي بطل وذهب وضاع (ما كانُوا) أي كونا هو جبلة لهم (يَفْتَرُونَ) أي يتعمدون كذبه من أن معبوداتهم شركاء ، وتيقنوا في ذلك المقام أن توليهم لغير الله كان باطلا غير حق ؛ والتزييل : تفريق يزول به كل واحد عن مكانه ، وهو من تفريق الجثث ، وليس من الواوي ، بل من اليائي ، يقال : زلته عن الشيء أزيله ـ إذا فرقت بينه وبينه ؛ والكفاية : بلوغ مقدار الحاجة في دفع الأذية أو حصول المنفعة ؛ والإسلاف : تقديم أمر لما بعده ؛ والرد : الذهاب إلى الشيء بعد الذهاب عنه كالرجع ؛ والمولى : من يملك تولي أمر مولاه.
ولما قدم سبحانه أن شركاءهم مربوبون مقهورون ، لا قدرة لهم إلّا على ما يقدرهم الله عليه ، وأنه وحده المولى الحق ، وبانت بذلك فضائحهم ، أتبعه ذكر الدلائل على فساد مذهبهم ، فوبخهم بأن وجه السؤال إليهم عما هم معترفون بأنه مختص به ويدل قطعا على تفرده بجميع الأمر الموجب من غير وقفة لاعتقاد تفرده بالإلهية فقال : (قُلْ) أي يا أكرم خلقنا وأرفقهم بالعباد (مَنْ يَرْزُقُكُمْ) أي يجلب لكم الخيرات أيها المنكرون للبعث المدعون للشركة (مِنَ السَّماءِ) أي بالمطر وغيره من المنافع (وَالْأَرْضِ) بالنبات وغيره لتعيشوا (أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ) أي الذي تسمعون به الآيات ،
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
