(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩))
ولما تقدم في الأوامر والنواهي وبيان الحكم المرغبة والمرهبة ما لم يبق لمن عنده أدنى تمسك بالدين شيئا من الالتفات إلى المفسدين ، بين أن العلة في مدافعتهم وشديد مقاطعتهم أنهم نجس وأن المواضع ـ التي ظهرت فيها أنوار عظمته وجلالته وأشرقت عليها شموس نبوته ورسالته ، ولمعت فيها بروق كبره وجالت صوارم نهيه وأمره ـ مواضع القدس ومواطن الأنس ، من دنا إليها من غير أهلها احترق بنارها ، وبهرت بصره أشعة أنوارها ، فقال مستخلصا مما تقدم ومستنتجا : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بألسنتهم بالإيمان وهم ممن يستقبح الكذب (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ) أي العريقون في الشرك بدليل استمرارهم عليه.
ولما كانوا متصفين به ، وكانوا لا يغتسلون ـ ولا يغسلون ـ ثيابهم من النجاسة ، بولغ في وصفهم بها بأن جعلوا عينها فقال : (نَجَسٌ) أي وأنتم تدعون أنكم أبعد الناس عن النجس حسا ومعنى ، فيجب أن يقذروا وأن يبعدوا ويحذروا كما يفعل بالشيء النجس لما اشتملوا عليه من خلال الشر واتصفوا به من خصال السوء ، وأما أبدانهم فاتفق الفقهاء على طهارتها لأن النبي صلىاللهعليهوسلم شرب من أوانيهم ولم ينه عن مؤاكلتهم ولا أمر بالغسل منها ولو كانت نجسة ما طهرها الإسلام. ولما تسبب عن ذلك إبعادهم ، قال : (فَلا يَقْرَبُوا) أي المشركون ، وهذا نهي للمسلمين عن تمكينهم من ذلك ، عبر عنه بنهيهم مبالغة فيه (الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) أي الذي أخرجوكم منه وأنتم أطهر الناس ، واستغرق الزمان فأسقط الجار ونبههم على حسن الزمان واتساع الخير فيه بالتعبير بالعام فقال : (بَعْدَ عامِهِمْ) وحقق الأمر وأزال اللبس بقوله : (هذا) وهو آخر سنة تسع سنة الوفود مرجعه صلىاللهعليهوسلم من غزوة تبوك ، فعبر بقربانه لا بإتيانه بعد التقديم إليهم بأن لا يقبل من مشرك إلا الإسلام أو القتل إشارة إلى إخراج المشركين من جزيرة العرب وأنها لا يجتمع بها دينان لأنها كلها محل النبوة العربية وموطن الأسرار الإلهية ، فمن كان فيها ـ ولو في أقصاها ـ فقد قارب جميع ما فيها ، وتكون حينئذ بالنسبة إلى الحرم كأفنية الدور ورحاب المساجد ؛ وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم أرسل أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج بعد رجوعه من تبوك ثم أردفه بعلي رضي الله عنه
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
