تطبعوا بهذه النقائص كلها ، اختصوا بكمال الفسق فشرح ذلك في أسلوب التعجيب من حالهم فقال مظهرا موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف : (إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ) أي خاصة (الْفاسِقُونَ) أي الخارجون عن دائرة ما ينفعهم من الطاعة الراسخون في ذلك ، فقد علم بهذا أنهم لو غزوا فعلوا فعل هؤلاء سواء لأن الكل من طينة واحدة.
(وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩))
ولما بين كثيرا من أحوالهم فاشتد التشوف إلى مآلهم وكان مقصودهم بإظهار الإيمان والاعتذار عن النقائص بتأكيد الأيمان إنما هو التقرب إلى المؤمنين والتحبب طمعا في العيش في أكنافهم وفرقا من المعاجلة بما يستحقون من إتلافهم ، بين أن لهم على هذا الخداع العذاب الدائم والطرد اللازم ، وجمع معهم المصارحين بالكفر إعلاما بأنهم إن لم يكونوا أعظم عنادا منهم فهم سواء ، فقال : (وَعَدَ اللهُ) وساقه بصيغة البشارة تهكما بهم وإبلاغا في مساءتهم (الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ) أي المساترين باعتقادهم (وَالْكُفَّارَ) أي المجاهرين في عنادهم.
ولما كانوا مجبولين على تجهم المؤمنين والانقباض عنهم ، وإن أظهروا خلاف ذلك فهو تصنع ، قال : (نارَ جَهَنَّمَ) أي النار التي من شأنها تجهم أهلها ولقاؤهم بالعبوسة الزائدة (خالِدِينَ فِيها) أي لا براح لهم عنها (هِيَ حَسْبُهُمْ) أي كافيتهم في العذاب ، لكن لما كان الخلود قد يتجوز به عن الزمن الطويل فيكون بعده فرج ، قال : (وَلَعَنَهُمُ اللهُ) أي طردهم وأبعدهم من رحمته وهو الملك العليم الحكيم الذي لا أمر لأحد معه فأفهم أنه لا فرج لهم ، ثم نفى كل احتمال بقوله : (وَلَهُمْ) أي بالأمرين (عَذابٌ مُقِيمٌ) أي لا وصف له غير الإقامة في الدنيا بما هم مقهورون به من سطوة الإسلام وجنوده الكرام الأعلام ، وفي الآخرة بما لا يعلمه حق علمه إلا الله الملك العلام.
ولما كان حالهم في الإقبال على العاجلة لكونها حاصلة والإعراض عن العاقبة لأنها غائبة مشابها لحال من كان قبلهم من الأمم الخالية والقرون الماضية ، بين لهم ذلك وختم ببيان سوء أحوالهم وقبح مآلهم بتلاشي أعمالهم فقال ملتفتا إلى أسلوب الخطاب
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
