(إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) [الحجر : ٣٨ ، ص : ٨١] ، وهو وقت النفخة الأولى التي يموت فيها الأحياء فيموت هو معهم ، وكان ترك هذه الجملة في هذه السورة لأن هذه السورة للإنذار ، وإبهام الأمر أشد في ذلك ، وأجابه إلى الإنظار وهو يريد به الفساد ، لأنه لا يعدو أمره فيه وتقديره به ، ولأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل ، ولتظهر حكمته تعالى في الثواب والعقاب.
ولما كان قد حكم عليه بالشقاء ، قابل نعمة الإمهال وإطالة العمر بالتمادي في الكفر ، وأخبر عن نفسه بذلك بأن (قالَ) مسببا عن إيقاعه في المعصية بسبب نوع الآدميين (فَبِما أَغْوَيْتَنِي) أي فبسبب إغوائك لي ، وهو إيجاد الغي واعتقاد الباطل في قلبي من أجلهم والله (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ) أي أفعل في قطعهم عن الخير فعل المتمكن المقبل بكليته المتأني الذي لا شغل له غير ما أقبل عليه في مدة إمهالك لي بقطعهم عنك بمنعهم من فعل ما أمرتهم به ، وحملهم على فعل ما نهيتهم عنه ، كما يقعد قاطع الطريق على السابلة للخطف (صِراطَكَ) أي في جميع صراطك ، بما دل عليه نزع الخافض (الْمُسْتَقِيمَ) وهو الإسلام بجميع شعبه ، ومن أسند الإغواء إلى غير الله بسبب اعتقاده أن ذلك مما ينزه الله عنه ، فقد وقع في شر مما فر منه ، وهو أنه جعل في الوجود فاعلين يخالف اختيار أحدهما اختيار الآخر.
(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠))
ولما كان قد أقام نفسه في ذلك بغاية الجد ، فهو يفعل فيه بالوسوسة بنفسه ومن أطاعه من شياطين الجن والإنس ما يفوت الحد ويعجز القوى ، أشار إليه بحرف التراخي فقال مؤكدا : (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ) أي إتيانا لا بد لي منه كائنا ابتداؤه (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) أي مواجهة ، فأحملهم على أن يفعلوا ما يعلمون أنه خطأ (وَ) كائنا (مِنْ خَلْفِهِمْ) أي مغافلة ، فيعملون ما هو فاسد في غاية الفساد ولا شعور لهم بشيء من فساده حين تعاطيه فأدلهم بذلك على تعاطي مثله وهم لا يشعرون (وَعَنْ) أي ومجاوزا للجهة التي عن (أَيْمانِهِمْ) إليهم (وَعَنْ) أي ومجاوزا لما عن (شَمائِلِهِمْ) أي مخايلة ، فيفعلونه وهو مشتبه عليهم ، وهذه هي الجهات التي يمكن الإتيان منها ، ولعل فائدة «عن» المفهمة
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
