للإبعاد بما جرى لهود عليهالسلام معهم من الإنكار والدعاء عليهم بعد الهلاك كناية عن الإخبار بأنهم كانوا مستحقين للهلاك ؛ والجحد : الخبر عما يعلم صحته أنه لا يعلمها ، وهو ضد الاعتراف كما أن النفي ضد الإثبات ، فهو خبر بمجرد العدم فهو أعم ؛ والعصيان خلاف ما أمر به الداعي على طريق الإيجاب ؛ واللعنة : الدعاء بالإبعاد ، وأصلها الإبعاد من الخير ؛ والإتباع : جعل الثاني على أثر الأول ، والإبلاغ أخص منه ، والمراد هنا بلوغها لهم لأن الذي قضى بذلك قادر وقد ألحق بهم عذاب الدنيا المبعد لهم من مظان الرحمة.
(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢))
ولما انقضت قصة عاد على ما أراد سبحانه ، أتبعها قصة من كانوا عقبهم في الزمن ومثلهم في سكنى أرض العرب وعبادة الأوثان والمناسبة في الأمر المعذب به لأن الموصل للصيحة إلى الأسماع هو الريح وفي خفاء أمرهم ، مفصلا على أهل ذلك الزمان فقال : (وَإِلى) أي ولقد أرسلنا إلى (ثَمُودَ أَخاهُمْ) وبينه بقوله : (صالِحاً) ثم أخرج قوله صلىاللهعليهوسلم على تقدير سؤال فقال : (قالَ يا قَوْمِ) أي يا من يعز عليّ أن يحصل لهم سوء (اعْبُدُوا اللهَ) أي الملك الأعظم وحده لأن عبادتكم له مع غيره ليست بشيء ؛ ثم استأنف تفسير ذلك فقال : (ما لَكُمْ) أغرق في النفي فقال : (مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) جريا على منهاج الدعاة إلى الله في أصل الدين ، وهو إفراد المنعم بالعبادة.
ولما أمرهم بذلك ، ذكرهم قدرته ونعمته مرغبا مرهبا فقال : (هُوَ) أي وحده (أَنْشَأَكُمْ) أي ابتدأ خلقكم (مِنَ الْأَرْضِ) بخلق آدم عليهالسلام منها بغير واسطة وبخلقكم من المني من الدم وهو من الغذاء وهو من النبات وهو من الأرض كما أنشأ أوثانكم منها (وَ) رفع مقداركم عليها بأن (اسْتَعْمَرَكُمْ) أي أهلكم لما لم يؤهل له الأوثان من أن تكونوا عمارا (فِيها) فلا تنسوا حق إلهكم وما فضلكم به من حق أنفسكم بخضوعكم لما لا يساويكم فكيف بمن أنشأكم وإياها ؛ والإنشاء : الابتداء بالإيجاد من غير استعانة بشيء من الأسباب.
ولما بين لهم سبحانه عظمته ، وكان الشيطان قد شبه عليهم لأنه لعظمته لا يوصل إليه بوسيلة كما هو حال الملوك وألقى إليهم أن الأوثان وسائل ، نفى ذلك مبينا طريق الرجوع إليه بقوله : (فَاسْتَغْفِرُوهُ) أي فأقبلوا بكل قلوبكم عليه طالبين أن يستر ذنوبكم ؛
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
