الطلب ، فيكون في السين معنى الطلب والملك قوة يتمكن بها من تصريف الشيء أتم تصريف ، والنفع : إيجاب اللذة بفعلها والتسبب المؤدي إليها ؛ والضر : إيجاب الألم بفعله أو التسبب إليه ؛ والأجل : الوقت المضروب لوقوع أمر.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣))
ولما كان جل قصدهم بذلك الاستهزاء ، وكان وقوعه أمرا ممكنا ، وكان من شأن العاقل أن يبعد عن كل خطر ممكن ، أمره صلىاللهعليهوسلم بجواب آخر حذف منه واو العطف لئلا يظن أنه لا يكفي في كونه جوابا إلا بضمنه إلى ما عطف عليه فقال : (قُلْ) أي لمن استبطأ وعيدنا بالعذاب في الدنيا أو في الأخرى ، وهو لا يكون إلا بعد الأخذ في الدنيا إعلاما بأن الذي يطلبونه ضرر لهم محض لا نفع فيه بوجه ، فهو مما لا يتوجه إليه قصد عاقل (أَرَأَيْتُمْ) وهي من رؤية القلب لأنها دخلت على الجملة من الاستفهام (إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ) في الدنيا.
ولما كان أخذ الليل أنكى وأسرع ، قدمه فقال : (بَياتاً) أي في الليل بغتة وأنتم نائمون كما يفعل العدو ؛ ولما كان الظفر ليلا لا يستلزم الظفر نهارا مجاهرة قال : (أَوْ نَهاراً) أي مكاشفة وأنتم مستيقظون ، أتستمرون على عنادكم فلا تؤمنوا؟ فكأنهم قالوا :
لا ، فليعجل به ليرى ، فقيل : إنكم لا تدرون ما تطلبون! إنه لا طاقة لمخلوق بنوع منه ، ولا يجترىء على مثل هذا الكلام إلا مجرم (ما ذا) أي ما الذي؟ ويجوز أن يكون هذا جواب الشرط (يَسْتَعْجِلُ) أي يطلب العجلة (مِنْهُ) أي من عذابه ، وعذابه كله مكروه لا يحتمل شيء منه (الْمُجْرِمُونَ) إذ سنة الله قد استمرت بأن المكذب لا يثبت إلا عند مخايله ، وأما إذا برك بكلكه وأناخ بثقله فإنه يؤمن حيث لا ينفعه الإيمان (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً) [فاطر : ٤٣] وهذا معنى التراخي في قوله : (أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ) أي عذابه وانتفى كل ما يضاده (آمَنْتُمْ بِهِ) وذلك أنه كانت عادتهم كمن قبلهم الاستعجال بالعذاب عند التوعد به ، وكانت سنة الله قد جرت بأن المكذبين إذا أتاهم العذاب يتراخى إيمانهم بعد مجىء مقدماته وقبل اجتثاثهم بعظائم صدماته لشدة معاندتهم فيه وتوطنهم عليه كما وقع للأولين من الأمم بغيا وعتوا كقوم صالح لما تغيرت وجوههم بألوان مختلفة في اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث وأيقنوا بالهلكة وودع بعضهم بعضا ولم يؤمنوا. وجرت
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
