(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١))
ولما كان يعرف ما يعتقدونه من أمانته وعقله ، وظن أنه ما حملهم على هذا إلا العجب من أن يطلع على ما لم يطلعوا عليه ، أنكر عليهم ذلك ذاكرا لما ظنه حاملا لهم ملوحا بالعطف إلى التكذيب فقال : (أَوَعَجِبْتُمْ) أي أكذبتم وعجبتم (أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ) أي شرف وتذكير (مِنْ رَبِّكُمْ) أي الذي لم يقطع إحسانه عنكم قط ، منزلا (عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ) أي عزه عزكم وشرفه شرفكم فما فاتكم شيء (لِيُنْذِرَكُمْ) أي يحذركم ما لمن كان على ما أنتم عليه من وخامة العاقبة.
ولما كان التقدير : فاحذروا ، عطف عليه تذكيرهم بالنعمة مشيرا به إلى التحذير من عظيم النقمة في قوله : (وَاذْكُرُوا إِذْ) أي حين (جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ) أي فيما أنتم فيه من الأرض ، ولما كان زمنهم متراخيا بعدهم ، أتى بالجار فقال : (مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) أو يكون المحذوف ما اقتضاه الاستفهام في قوله (أَوَعَجِبْتُمْ) من طلب الجواب ، أي أجيبوا واذكروا ، أي ولا تبادروا بالجواب حتى تذكروا ما أنعم به عليكم ، وفيه الإشارة إلى التحذير مما وقع لقوم نوح ، أو يكون العطف على معنى الاستفهام الإنكاري في (أَفَلا تَتَّقُونَ ، أَوَعَجِبْتُمْ) أي اتقوا ولا تعجبوا واذكروا ، أو يكون العطف ـ وهو أحسن على (اعْبُدُوا اللهَ) وقوله (خُلَفاءَ) قيل : إنه يقتضي أن يكونوا قاموا مقامهم ، ومن المعلوم أن قوم نوح كانوا ملء الأرض ، وأن عادا إنما كانوا في قطعة منها يسيرة وهي الشجرة من ناحية اليمن ، فقيل : إن ذلك لكون شداد بن عاد ملك جميع الأرض ، فكأنه قيل : جعل جدكم خليفة في جميع الأرض ، فلو حصل الشكر لتمت النعمة ، فأطيعوا يزدكم من فضله ، وقيل : إن قصة ثمود مثل ذلك ، ولم يكن فيهم من ملك الأرض ولا أرض عاد ، فأجيب بما طرد ، وهو أن عادا لما كانوا أقوى أهل الأرض أبدانا وأعظمهم أجسادا وأشدهم خلقا أشهرهم قبيلة وذكرا ، كان سائر الناس لهم تبعا ، وكذا ثمود فيما أعطوه من القدرة على نحت الجبال ونحوها بيوتا ، وعندي أن السؤال من أصله لا يرد ، فإن بين قولنا : فلان خليفة فلان ، وفلان خليفة من بعد فلان ـ من
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
