الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧))
ولما أخبر أن الفسق ديدنهم ، أكده بقوله عطفا على (إِذْ يَعْدُونَ) [الأعراف : ١٦٣] (وَإِذْ) أي واسألهم عن خبرهم حين (قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ) أي جماعة ممن يعتبر ويقصد من الواعظين الصالحين الذين وعظوا حتى أيسوا لأمة أخرى منهم لا يقلعون عن الوعظ تخويفا للموعوظين بما يتجاوزون به (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً) أي معتمدين على قوتهم (اللهُ) أي الذي له الملك كله (مُهْلِكُهُمْ) أي لا محالة لأنهم لا ينتهون عن الفساد ولا يتعظون بالمواعظ (أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً) أي بعظيم ما يرتكبونه وتماديهم فيه (قالُوا) أي الأمة الأخرى من الواعظين : وعظنا (مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ) أي المحسن إليكم بالحفظ عما وقعوا فيه من الذنب والإقبال على الوعظ حتى إذا سئلنا عن أمرنا في عصيانهم نقول : فعلنا في أمرهم جهدنا ، هذا إن لم يرجعوا (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي وليكون حالهم حال من يرجى خوفه لله فيرجع عن غيه.
ولما تراجعوا بهذا الكلام ليكون زاجرا للعاصين فلم يرجعوا ، أخبر أنه صدق ظنهم بإيقاع الأمرين معا : العذاب الشديد والإهلاك ، فقال : (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ) أي فعلوا في إعراضهم عنه فعل الناسي وتركوه ترك المنسيّ ، وهو أن الله لا يهملهم كما أن الإنسان لا يمكن أن يهمل أحدا تحت يده ، ليفعل ما يشاء من غير اعتراض (أَنْجَيْنَا) أي بعظمتنا (الَّذِينَ يَنْهَوْنَ) أي استمروا على النهي (عَنِ السُّوءِ) أي الحرام (وَأَخَذْنَا) أي أخذ غلبة وقهر (الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي بالعدو في السبت (بِعَذابٍ بَئِيسٍ) أي شديد جدا (بِما كانُوا) أي جبلة وطبعا (يَفْسُقُونَ) أي بسبب استمرارهم على تجديد الفسق.
ولما ذكر ما هددهم به من العذاب الشديد ، أتبعه الهلاك فقال : (فَلَمَّا عَتَوْا) أي تكبروا جلافة ويبسا عن الانتهاء (عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ) أي بعد الأخذ بالعذاب الشديد ، وتجاوزوا إلى الاجتراء على جميع المعاصي عنادا وتكبرا بغاية الوقاحة وعدم المبالاة ، كان مواقعتهم لذلك الذنب وإمهالهم مع الوعظ أكسبتهم ذلك وغلظت أكبادهم عن الخوف بزاجر العذاب ، من عتا يعتو عتوا ـ إذا أقبل على الآثام ، فهو عات ، قال عبد الحق في كتابه الواعي : وقيل إذا أقدم على كل أموره ، ومنه هذه الآية ، وقيل : العاتي هو المبالغ في ركوب المعاصي ، وقيل : المتمرد الذي لا ينفع فيه الوعظ والتنبيه ، ومنه قوله سبحانه (فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) [الذاريات : ٤٤] أي جاوزوا المقدار والحد في
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
