ولما ذكر سبحانه تكذيبهم ، كان ذلك ربما أيأس من إذعانهم وتصديقهم ، وآذن باستئصالهم لتكمل المشابهة للأولين ، وكان صلىاللهعليهوسلم شديد الشفقة عليهم والحرص على إيمانهم ، فأتبعه تعالى بقوله بيانا لأن علمه بانقسامهم أوجب عدم استئصالهم عاطفا على (كَذَّبُوا : وَمِنْهُمْ) أي قومك (مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) أي في المستقبل (وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ) أي القرآن أصلا ولو رأى كل آية (وَرَبُّكَ) أي المحسن إليك بالرفق بأمتك (أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) أي الذين هم عريقون في الإفساد ، فسيعاملهم بما يشفي صدرك.
(وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥))
ولما قسمتهم هذه الآية قسمين ، وتليت بذكر القسم الثاني بالواو ، عرف أنه معطوف على مطوى القسم الأول ، فكان كأنه قيل : فإن صدقوك فقل : الله ولي هدايتكم ولي مثل أجوركم بنسبتي فيها فضلا من ربي : (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ) أي قول منصف معتمد على قادر عالم (لِي عَمَلِي) بالإيمان والطاعة (وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ) ما لأحد منا ولا عليه من جزاء الآخر شيء ؛ ثم صرح بالمقصود من ذلك بقوله محذرا لهم : (أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ) أي فإن كان خيرا لم يكن لكم منه شيء وإن كان غيره لم يكن عليكم منه شيء (وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) لا جناح عليّ في شيء منه لأني لا أقدر على ردكم عنه ؛ والبراءة : قطع العلقة الذي يوجب رفع المطالبة ، ولا حاجة إلى ادعاء نسخ هذه الآية بآية السيف ، فإنه لا منافاة بينهما ، لأن هذه في رفع لحاق الإثم وهو لا ينافي الجهاد.
ولما قسمهم إلى هذين القسمين ، قسم القسم الأخير إلى قسمين فقال : (وَمِنْهُمْ) أي المكذبين (مَنْ) ولما كان المستمع إليه أكثر لأنهم أشهى الناس إلى تعرف حاله ، وكان طريق ذلك السمع والبصر ، وكان تحديق العين إليه لا يخفى ، فكان أكثرهم بتركه إظهارا لبغضه وخوفا من إنكار من يراه عليه ، وكان إلقاء السمع بغاية الجهد يمكن إخفاءه بخلاف الإبصار ، عبر هنا بالافتعال ، وجمع دالا على كثرتهم نظرا إلى معنى «من» وأفرد في النظر اعتبارا للفظها ودالا على قلة الناظر بما ذكر فقال : (يَسْتَمِعُونَ) وضمن الاستماع الإصغاء ليؤدي مؤدي الفعلين ، ودل على الإصغاء بصلته معلقة بحال
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
