وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠))
ولما كان مضمون هذه الآية نحو مضمون قوله : (إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) فإن النذير من ينصح المنذر ، والوكيل هو المرجوع إليه في أمر الشيء الموكول إليه ، وما قبلها تعريض بنسبة نوح عليهالسلام إلى الافتراء ، تلاه بما تلا به ذاك من النسبة إلى الافتراء وإشارة إلى أن هذه القصص كلها للتسلية في أمر النذارة والتأسية فكأنه قيل : أيقولون لك مثل هذه الأقوال فقد قالوها لنوح كما ترى ، ثم والى عليهم من الإنذار ما لم يطمعوا معه في ترك شيء مما أمرناه به أعجبهم أو أغضبهم ، فلك به أسوة وحسبك به قدوة في أن تعد كلامهم عدما وتقبل على ما أرسلناك به من بذل النصيحة بالنذارة : (أَمْ يَقُولُونَ) في القرآن (افْتَراهُ) إصرارا على ما تقولوه فدمغه الدليل وأدحضته الحجة فكأنه قيل : نعم ، إنهم يقولون ذلك ، فقيل : لا عليك فإنه قول يقصدون به مجرد العناد وهم يعلمون خلافه بعد ما قام عليهم من الحجج التي وصلوا معها إلى عين اليقين فلا يهمنك قولهم هذا ، فإنهم يجعلونه وسيلة إلى تركك بعض ما يوحى إليك فلا تفعل ، بل (قُلْ) في جواب قولهم هذا (إِنِ افْتَرَيْتُهُ) أي قطعت كذبه (فَعَلَيَ) أي خاصا بي (إِجْرامِي) أي وباله وعقابه دونكم وإذا استعلى عليّ الإجرام عرف ذلك لأرباب العقول وظهر ظهورا أفتضح به وأنتم أعرف الناس بأني أبعد من ذلك مما بين اجتماع الضدين وارتفاع النقيضين لما تعلمون مني من طهارة الشيم وعلو الهمم وطيب الذكر وشريف القدر وكريم الأمر ، هذا لو كنت قادرا على ذلك فكيف وأنا وأنتم في العجز عنه سواء (وَأَنَا بَرِيءٌ) أي غاية البراءة (مِمَّا تُجْرِمُونَ) أي توجدون إجرامه ، ليس عليّ من إجرامكم عائد ضرر بعد أن أوضحته لكم وكشفت عنكم غطاء الشبه ، إنما ضرره عليكم فاعلموا على تذكر هذا المعنى فإن سوق جوابهم على هذا الوجه أنكى لهم من إقامة حجة أخرى لأنهم يعلمون منه أنه إلزام لهم بالفضيحة لانقطاعهم لدى من له وعي ، ويمكن أن يكون التقدير : هل انتبه قومك يا محمد فعلموا قبح مثل هذه الحال وأنها حال المعاندين ، فرجعوا تكرما عن ركوب مثلها واستحياء (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) أي كذبه متعمدا استمرارا على العناد وتماديا في البعاد كما تمادى قوم نوح فيحل بهم ما حل بهم ، أي هل رجعوا بهذا المقدار من قصة قوم نوح أم هم
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
