ولما كان ذلك مقتضيا لغاية الإقبال والنشاط ، سبب عنه قوله : (فَخُذْ ما آتَيْتُكَ) أي مخصصا لك به (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أي العريقين في صفة الشكر المجبولين عليها.
(وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨))
ولما انقضى ما أنسه سبحانه به لفت الكلام ـ في الإخبار لنا عن عظيم ما آتاه ـ لي مظهر العظمة ، فقال مفصلا لتلك الرسالة ومبينا بعض ما كان من الكلام (وَكَتَبْنا) أي بعظمتنا (لَهُ فِي الْأَلْواحِ) عرفها لعظمتها تنبيها على أنها لجلالة ما اختصت به كأنها المختصة بهذا الاسم ، وأعظم من هذا جعل قلب النبي الأمي لوحا قابلا لما يلقى إليه جامعا لعلوم الأولين والآخرين (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) أي يحتاجه بنو إسرائيل ، وذلك هو العشر الآيات التي نسبتها إلى التوراة نسبة الفاتحة إلى القرآن ، ففيها أصول الدين وأصول الأحكام والتذكير بالنعم والأمر بالزهد والورع ولزوم محاسن الأعمال والبعد عن مساويها ، ولذا قال مبدلا : (مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً) أي على وجازتها بما كانت سببا (لِكُلِّ شَيْءٍ) أي لأنها ـ مع كونها أمهات وجوامع ـ مفصلة ترجع إليها بحور العلم وتنشق منها ينابيعها.
ولما كان هذا هكذا ، تسبب عنه حتما قوله تعالى التفاتا إلى خطاب موسى عليهالسلام بخطاب التأنيس إشارة إلى أن التزام التكاليف صعب : (فَخُذْها) أي الألواح (بِقُوَّةٍ) أي بجد وعزيمة في العلم والعمل (وَأْمُرْ قَوْمَكَ) أي الأقوياء على محاولة ما يراد (يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها) كأنه سبحانه أطلق لموسى عليهالسلام الأخذ بكل ما فيها لما عنده من الملكة الحاجزة له عن شيء من المجاوزة ، ولذلك قال له (بِقُوَّةٍ) وقيدهم بالأحسن ليكون الحسن جدا مانعا لهم من الوصول إلى القبيح ، وذلك كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر.
ولما كان كأنه قيل : وهل يترك الأحسن أحد؟ فقيل : نعم ، الفاسق يتركه ، بل
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
