الأشياء في غير مواقعها ، وفي تعبيره ب (تَجْهَلُونَ) دون (جاهلين) إشارة إلى أن الجهل متجدد لهم وهو غير عادتهم استعطافا لهم إلى الحلم ، ثم عطف إلى صريح الاستعطاف في سياق محذر من سطوات الله فقال : (وَيا قَوْمِ) أي الذين هم أعز الناس عليّ (مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ) أي الذي له جميع العظمة (إِنْ طَرَدْتُهُمْ) ولو لم يشكوني إليه لاطلاعه على ما دق وجل : ولما تم الجواب عن ازدرائهم ، سبب عنه الإنكار لعدم تذكرهم ما قاله لهم بما يجدونه في أنفسهم فقال : (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) أي ولو أدنى تذكر ـ بما يشير إليه الإدغام ـ فتعلموا أن من طرد صديقا لكم عاديتموه وقصدتموه بالأذى ، فترجعوا عما طرأ لكم من جهل إلى عادتكم من الحلم الباعث على التأمل الموقف على الحق ؛ والطرد : إبعاد الشيء على جهة الهوان ؛ والقوم : الجماعة الذين يقومون بالأمر ، اسم جمع لا واحد له من لفظه ؛ والتذكير : طلب معنى قد كان حاضرا للنفس ، والتفكر طلبه وإن لم يكن حاضرا.
(وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤))
ولما كان نفيهم للفضل شاملا للأموال وعلم الغيب ، أقرهم على ذلك منبها على خطئهم فيه بأنه لم يقل بينهم قط ما يكون سببا له ، فقال عاطفا على قوله (لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ؛ * وَلا أَقُولُ لَكُمْ) أي في وقت من الأوقات (عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ) أي الملك الأعظم فأتفضل عليكم بها ؛ ولما كان من الجائز أن يمكن الله من يشاء من خزائن الأرزاق ونحوها فيسوغ له أن يطلق ملك ذلك مجازا ، ولا يجوز أن يمكنه من علم الغيب ، وهو ما غاب عن الخلق كلهم ، لأنه خاصته سبحانه ، قال عاطفا على (أَقُولُ) لا على المقول : (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) لا حقيقة ولا مجازا فأعلم وقت ما توعدون به أو ما في قلوب المؤمنين مما قد يتوهم به من السوء ، وأعلمهم أنه لا مانع من إرسال البشر بقوله : (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) فتكون قوتي أفضل من قوتكم أو خلقي أعظم قدرا من خلقكم ونحو ذلك من الفضل الصوري الذي جعلتموه هو الفضل ، فلا تكون الآية دليلا على أفضلية الملائكة ، وتقدم في الأنعام سر إسقاطه (لَكُمْ.)
ولما كان تعريضهم بنفي الملكية عنه من باب الإزراء ، أتبعه تأكيد قبوله لمن آمن
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
