يمكن ، لأنها أقل الأوقات في الاستعمال في العرف ، ثم عطف على الجملة الشرطية بكمالها لا على جزائها قوله : (وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) أي على الأجل المحتوم ، لأن الذي ضربه لهم ما ضربه إلا وهو عالم بكل ما يكون من أمرهم ، لم يتجدد له علم ، لم يكن يتجدد شيء من أحوالهم ، ويجوز أن يكون معطوفا على قوله (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) [الأعراف : ٢٤] وتكون الآية معلمة بأنهم سيتناسلون فيكثرون حتى يكونوا أمما ، ولا يتعرضون جملة بل يكون لكل أمة وقت.
(يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧))
ولما كان استشراف النفس إلى السؤال عما يكون بعد حين المستقر والمتاع أشد من استشرافها إلى هذا لكونه أخفى منه ، فهو أبعد من خطوره في البال ؛ قدم قوله (قالَ فِيها تَحْيَوْنَ) [الأعراف : ٢٥] ولما كان ذكر الدواء لداء هتك السوءة أهم قدم (أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً) [الأعراف : ٢٦] ثم ما بعده حتى كان الأنسب بهذه الآية هذا الموضع فنظمت فيه.
ولما تقدمت الإشارة إلى الحث على اتباع الرسل بآيات المقصد الأول من مقاصد هذه السورة كقوله تعالى (كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) [الأعراف : ٢] و (لِتُنْذِرَ) [الأعراف : ٢] و (اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) [الأعراف : ٣] وقوله (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ) [الأعراف : ٦] وقوله (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) [الأعراف : ٢٩] ، (إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ) [الأعراف : ٣٣] والتحذير من الشياطين بقوله (وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) [الأعراف : ٣] وبقوله (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف : ١٦] ، (لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ) [الأعراف : ٢٧] وغيره ، فتحرر أنه لا سبيل إلى النجاة إلا بالرسل ، وختم ذلك بالأجل حثا على العمل في أيام المهلة ؛ أتبع ذلك قوله حاثا على التعلق بأسباب النجاة باتباع الدعاة الهداة قبل الفوت بحادث الموت ببيان الجزاء لمن أحسن الاتباع في الدارين : (يا بَنِي آدَمَ).
ولما كان له سبحانه أن يعذب من خالف داعي العقل من غير إرسال رسول ، وكان إرسال الرسل جائزا له وفضلا منه سبحانه إذ لا واجب عليه ، أشار إلى ذلك
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
