سدوم وعامورا نارا وكبريتا من بين يدي الرب من السماء فقلب هذه القرى والقاع بأسره ، وأهلك جميع سكانها وجميع من فيها وجميع نبت الأرض ، فالتفتت امرأته إلى خلفها لتنظر فصارت نصبة ملح ، فأدلج إبراهيم باكرا إلى الموضع الذي كان يقف فيه بين يدي الرب ؛ فمد بصره نحو سدوم وعامورا وإلى جميع أرض القاع فنظر فإذا دخان القرية يرتفع كدخان الأخدود ، فلما خسف الله قرى القاع ذكر الله إبراهيم فأرسل لوطا من المأفوكة إذ قلب الله القرى التي كان ينزلها لوط فطلع لوط من صاغار ـ وفي نسخة : زغر ـ فسكن الجبل هو وابنتاه معه لأنه تخوف أن يسكن صاغار ، فجلس في مغارة.
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥))
ولما انتهت القصة معلمة بما قام به لوط عليهالسلام من أمر الله غير وان لرغبة ولا رهبة وبما في إنزال الملائكة من الخطر ، أتبعت أقرب القصص الشهيرة إليها في الزمن فقال تعالى : (وَإِلى) أي ولقد أرسلنا إلى (مَدْيَنَ) وهم قبيلة أبيهم مدين بن إبراهيم عليهالسلام (أَخاهُمْ شُعَيْباً) فكأن قائلا قال : ما قال لهم؟ فقيل : (قالَ) ما قال إخوانه من الأنبياء في البداءة بأصل الدين : (يا قَوْمِ) مستعطفا لهم مظهرا غاية الشفقة (اعْبُدُوا اللهَ) أي الملك الأعلى غير مشركين به شيئا لأنه واحد (ما لَكُمْ) وأغرق في النفي فقال : (مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) فلقد اتفقت ـ كما ترى ـ كلمتهم واتحدت إلى الله وحده دعوتهم ، وهذا وحده قطعي الدلالة على صدق كل منهم لما علم قطعا من تباعد أعصارهم وتنائي ديارهم وأن بعضهم لم يلم بالعلوم ولا عرف أخبار الناس إلا من الحي القيوم ؛ قال الإمام شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي في كتابه «رشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانية» في ذكر الأنبياء : اتحدت مصادرهم كأنهم بنيان مرصوص ، عبروا بألسنة مختلفة تنتهي إلى بحر متصل بالقلوب متحد بها يستمد من البحر المحيط بعالمي الشهادة والغيب ، واختلفت الموارد من الشرائع بحسب ما اقتضت الحكمة الإلهية من مصلحة أهل كل زمان وكل ملة ، فما ضر اختلافهم في الفروع مع اتحادهم في الأصول ، وقال قبل ذلك : إن الفلاسفة لما لم يغترفوا من بحار الأنبياء وقفت بهم أفراس أفكارهم في عالم الشهادة ، فلما حاولوا الخوض في الإلهيات انكشفت عورة جهلهم وافتضحوا باضطرابهم واختلافهم (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) [الحشر : ١٤] القطع بهم سير الفكر في منتهى عالم الملك والشهادة ، ولم يدخل
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
