لقيت من المشقة ، قال : وقيل : ساء ظنها بما رأته من شدة العسرة وقلة الوفر وبعد الشقة وقوة العدو المقصود ـ انتهى. ويجوز أن يكون عبر ب (ثُمَ) لوصولهم إلى حالة يبعد معها الثبات فضلا عن مباعدة مواقع الزلات فثبتها حتى عادت كالحديد من غير سبب ظاهر من «جيش أو غيره» فثبت بذلك أنه مالك الملك متمكن من فعل كل ما يريده وأنه لا ولي لهم سواه : ثم علل لطفه بهم بقوله : (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) والرأفة : شدة الرحمة ، فقدم الأبلغ فيقال فيه ما قيل في (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) فالمعنى أنه يرحمهم أعلى الرحمة بإسباغ جلائل النعم ودفع جلائل النقم ، ويرحمهم أيضا بإسباغ دقائق النعم ودفع دقائق النقم ، وقيل : الرأفة : إزالة الضر ، والرحمة : إيصال النفع ، ومادة رأف تدور مع السعة على ما أشير إليه في سورة سبحان (١) على شدة الوصلة. فالرأفة ـ كما قال الحرالي في البقرة ـ عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة ، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم ، والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم ـ انتهى. فتكون الرأفة حينئذ للثابتين والرحمة لمن قارب الزيغ. فيصير الثابت مرحوما مرتين لأنه منظور إليه بالصفتين ، وتقدم عند الحزبين من البقرة ما ينفع هنا.
(وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠))
ولما صرح بالتوبة على من قارب الزيغ وخلط معهم أهل الثبات إشارة إلى أن كل أحد فقير إلى الغني الكبير وليكون اقترانهم بأهل المعالي ، وجعلهم في حيزهم تشريفا لهم وتأنيسا لئلا يشتد إنكارهم ، أتبعه التوبة على من وقع منه الزيغ فقال غير مصرح بالزيغ تعليما للأدب وجبرا للخواطر المنكسرة : (وَعَلَى) أي ولقد تاب الله على (الثَّلاثَةِ الَّذِينَ.)
ولما كان الخلع للقلوب مطلق التخليف ، بني للمفعول قوله : (خُلِّفُوا) أي
__________________
(١) أي سورة الإسراء وتسمى أيضا سورة بني إسرائيل.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
