ولما كان لا يحصل للنبي صلىاللهعليهوسلم إلا شيء خفيف جدا كما نبه عليه بالنزغ ، وهو ليس بمحقق كما نبهت عليه أداة الشك ، وكان لا يستعيذ بالله إلا المتقون فكان كأنه قيل : افعل ذلك عند أول نزغه لتكون من المتقين ، علله بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي حصل لهم هذا الوصف ، وحقق أذاه لهم بأداة التحقيق ـ بخلاف ما مضى عند إفراد الخطاب للنبي صلىاللهعليهوسلم ـ فقال : (إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ) أي طواف على أنه مصدر ، ويجوز أن يكون تخفيف طيّف كميت وهو بمعنى قراءة طائف على أنه فاعل كميت ومائت ، ويجوز أن يكون مصدرا أيضا ، وهو إشارة إلى أن الشيطان دائر حولهم لا يفارقهم ، فتارة يؤثر فيهم طوافه فيكون قد مسهم مسا هو أكبر من النزغ لكونه أطاف بهم من جميع الجوانب ، وتارة لا يؤثر (مِنَ الشَّيْطانِ) أي البعيد من الرحمة المحترق باللعنة (تَذَكَّرُوا) أي كلفوا أنفسهم ذكر الله بجميع ما ينفعهم في ذلك إقداما وإحجاما.
ولما كانوا بإسراع التذكر كأنهم لم يمسهم شيء من أمره ، أشار إلى ذلك بالجملة الاسمية مؤكدا لسرعة البصر بإذا الفجائية : (فَإِذا هُمْ) أي بنور ضمائرهم (مُبْصِرُونَ) أي ثابت إبصارهم فلا يتابعون الشيطان ، فإن المتقي من يشتهي فينتهي ، ويبصر فيقصر ، وفي ذلك تنبيه على أن من تمادى مع الشيطان عمي لأنه ظالم ، والظالم هو من يكون كأنه يمشي في الظلام.
(وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦))
ولما وصف المتقون الذين هم العلماء ملوحا إلى نصح وليهم لهم ، وعرف من حالهم أنهم أعداء الشيطان ، وعرف أن أضدادهم أولياؤه ؛ أتبعه وصف الجاهلين وغش أوليائهم لهم والكل غير متقين ، فقال : (وَإِخْوانُهُمْ) أي وإخوان الجاهلين من شياطين الإنس والجن (يَمُدُّونَهُمْ) أي يمدون الجاهلين ، من المد وهو الإمهال والإطالة على قراءة الجماعة ، وهو بمعنى قراءة أهل المدينة بالضم من الإمداد ، وقال الواحدي : إن هذا أكثر ما يأتي فيما يحمد كأمددناهم بفاكهة ، فهو من استعمال الشيء في ضده نحو (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ ،) وكأنه يشير إلى أن الشيطان أكثر ما يأتي الإنسان في صورة الناصح الشفيق ، والأوجه أن يكون الإخوان الجاهلين لأنهم في مقابلة (الَّذِينَ اتَّقَوْا) ويكون
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
