الزمخشري ، ويكون للسامع لا للمهلك ، لأن الآية لما تضمنت إهلاك المقر على الفساد كان في ذلك أقوى حث لغيرهم على الأمر والنهي وأوفى تهديد زاجر عن ارتكاب مثل حالهم الموقع في أضعاف نكالهم ، وفي تعقيب هذه الآية لآية الصبر إشارة إلى أن الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الذروة العليا ، والآية ناظرة إلى قوله تعالى (إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ.)
ولما كانت المعاني الثلاثة متضمنة للنفي ، كان المعنى : لم يكن من يفعل ذلك ، فاتصل الاستثناء في قوله : (إِلَّا قَلِيلاً) أي صالحين (مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ) والظاهر أن «من» بيانية ، أي هم الذين أنجينا فإنهم نهوا عن الفساد ، عبر بالإنجاء لأنه الدال على الخير الحامل للنهي عن الفساد دون التنجية الدالة على التدريج والإبلاغ في الإنجاء فلو عبر بها فسد المعنى (وَاتَّبَعَ) الأكثر وهم (الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي أوقعوا الظلم بترك النهي عن الفساد ، وما أحسن إطلاقها عن التقييد ب (مِنْهُمْ ما) ولما كان المبطر لهم نفس الترف ، بني للمفعول قوله : (أُتْرِفُوا فِيهِ) فأبطرتهم النعمة حتى طغوا وتجبروا (وَكانُوا مُجْرِمِينَ) أي متصفين على سبيل الرسوخ بالإجرام ، وهو قطع حبل الله على الدوام ، فأهلكهم ربك لإجرامهم ، ولو لا ذلك لما فعل ، فإن إهلاكهم على تقدير الانفكاك عن الإجرام يكون ظلما على ما يتعارفون.
ولما لاح بما مضى أن العبرة في الإهلاك والإنجاء للاكثر ، قرره وأكده وبينه بقوله : (وَما كانَ رَبُّكَ) ذكر سبحانه بالوصف المفهم للإحسان تثبيتا له وتأمينا (لِيُهْلِكَ الْقُرى) أي إهلاكا عاما (بِظُلْمٍ) أي أيّ ظلم كان ، صغير أو كبير (وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) أي في حال ظلم بأن يوقع إهلاكهم في حال إصلاحهم الذي هم عريقون فيه ، فيكون الإهلاك في غير موقعه على ما يتعارف العباد مع العلم بأن له أن يفعل ذلك في نفس الأمر لأنه لا يسأل عما يفعل ؛ والإهلاك : إيجاب ما يبطل الإحساس ، والهلاك : ضياع الشيء وهو حصوله بحيث لا يدرى أين هو ؛ والإصلاح : إيجاب ما يستقيم به الأمر على ما يدعو إليه العقل.
(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢))
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
