سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧))
ولما علم بهذا أن للكون في الأرض آخرا ، وكان من الفلاسفة التناسخية وغيرهم ممن يقر بالوحدانية من يقول : إن النفوس مجردة عن الجسمية وعلائقها وإنه إذا هلك الجسد اتصلت بالعلويات إما بكوكب أو غيره أو انحطت في سلك الملائكة وبطل تعلقها بالبدن من كل وجه فلا تتصل به لا بتدبير ولا غيره ولا بالبعث ـ عند من قال منهم بالبعث ، كان كأنه قيل : فماذا يكون بعد ذلك؟ فأجيب بقوله : (قالَ) أي الله رادا عليهم ما يعتقدون من بطلان التعلق بالبدن معبرا بالخطاب بالضمير الذي يعبر عن هذا الهيكل المخصوص روحا وجسدا (فِيها) أي الأرض لا في غيرها (تَحْيَوْنَ) أي أولا وثانيا على ما أنتم عليه بظواهركم وبواطنكم أبدانا وأرواحا (وَفِيها) أي كذلك ، لا في غيرها كما أنتم لذلك مشاهدون (تَمُوتُونَ) أي من الحياة الأولى بجملتكم ، فيكون للأرواح تعلق بالأبدان بوجه ما حتى يقعد الميت في القبر ويجبب سؤال الملكين عليهماالسلام ، وتلتذ الأجساد بلذتها وتتألم بتألمها ، فأشير إلى الحشر مع تفصيل حال الكون في الأرض ، وختمت القصة بما ابتدئت به من الإعلام بالبعث بقوله : (وَمِنْها) أي لا من غيرها بإخبار الصادق (تُخْرَجُونَ) أي روحا وبدنا بعد موتكم فيها وعودكم إلى ما كنتم عليه أولا ترابا ، للجزاء وإظهار ثمرة الملك بإنصاف بعضكم من بعض والتحلي بصفة العدل فما كان بعضكم يفعل مع بعض من العسف والجور الذي لا يرضي أقل رؤسائكم أن يقر عليه عبيده ، وعلم بهذا أن الدلالة على الحشر فذلكة القصة ، وهذا أبين من ذكره فيما مضى في قوله (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ) [الأعراف : ٦].
ولما بين فيما مضى أن موجب الإخراج من الجنة هو ما أوجب كشف السوءة من المخالفة وفرغ مما استتبعه حتى أخبر بأنه حكم بإسكاننا هذه الدار بعد تلك الدار ، شرع يحذرنا من عدونا كما حذر أبانا عليهالسلام ، وبدأ بقوله بيانا لأنه أنعم علينا فيها بكل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا وإيذانا بما في كشف العورة من الفضيحة والإبعاد عن كل خير وإشعارا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى (يا بَنِي آدَمَ).
ولما كان الكلام في كشف العورة ، وأن آدم عليهالسلام أعوزه الساتر حتى فزع إلى الورق ، كان موضع أن يتوقع ما يكون في ذلك فقال مفتتحا بحرف التوقع : (قَدْ أَنْزَلْنا) أي بعظمتنا (عَلَيْكُمْ) من آثار بركات السماء ، إما ابتداء بخلقه وإما بإنزال أسبابه لمطر ونحوه (لِباساً) أي لم يقدر عليه أبوكم في الجنه (يُوارِي سَوْآتِكُمْ) إرشادا
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
