بوجه من الوجوه ، والمراد بهذا أتباعه (مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا) أي فعلوا فعل المكذب مستهينين (بِآياتِ اللهِ) أي التي لا أعظم منها بإضافتها إلى من لا أعظم منه (فَتَكُونَ) أي كونا راسخا (مِنَ الْخاسِرِينَ) بل اثبت على ما أنت عليه من اليقين والطمأنينة والثقة بالله والسكينة ، وهذا ونحوه مما غلظت فيه العبارة دلالة على مزيد قرب المخاطب وإن كان المراد غيره وعظيم منزلته ولطيف خصوصيته كما مضى بيانه عن الإمام أبي الحسن الحرالي رحمهالله في سورة براءة عند قوله تعالى (عَفَا اللهُ عَنْكَ) [براءة : ٤٣] ـ الآية ، وتغليظ العبارة فيه تأديب عظيم لتابعيه ؛ والشك : الوقوف بين النقيضين ، وهو من شك العود فيما ينفذ فيه ، لأنه يقف بذلك الشك بين جهتيه ؛ والإنزال : نقل الشيء من علو إلى سفل ؛ والامتراء ؛ طلب التشكك مع ظهور الدليل ، من مري الضرع وهو مسحه ليدر.
ولما كان ما مضى من هذه الآيات وما كان من طرازها قاضيا بأنه لا تغني الآيات عنهم. صرح به قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ) أي وجبت وثبتت (عَلَيْهِمْ) أي بأنهم أشقياء ، وعبر بالاسم المفهم للإحسان إعلاما بأنه ما أوجب عليهم العذاب إلّا إحسانا إليه بما يقاسي من معالجتهم وغير ذلك من الحكمة فقال : (كَلِمَتُ رَبِّكَ) أي المحسن إليك في جميع أمرك (لا يُؤْمِنُونَ) أي لا قبول لهم لتجدد الإيمان (وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ) ونسبتها إلى قوله (لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُ) نسبة (لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُ) إلى (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ) الآية في البيان المستفاد من حذف العاطف ، وإذا كان الكلام في معنى واحد كان بمنزلة الكلمة الواحدة فسمي بها (حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) أي حين لا ينفعهم الإيمان لفوات شرطه كما لم ينفع فرعون لذلك (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ) تحويلا [الأحزاب : ٦٢].
(فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠))
ولما كان هذا موضع أن يقال : إنما تطلب الآيات لما يرجى من تسبب الإيمان عنها ، تسبب عنه أن يجاب بقوله تعالى : (فَلَوْ لا) أي فهلا (كانَتْ قَرْيَةٌ) أي واحدة من قرى الأمم الماضية التي أهلكناها (آمَنَتْ) أي آمن قومها عند إتيان الآيات أو عند رؤية أسباب العذاب (فَنَفَعَها) أي فتسبب عن إيمانها ذلك أنه نفعها ـ (إِيمانُها) ولما
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
