على ما يعلمه من الحكم ، فإنشاء جاء بما سألوا وإن لم يشأ لم يأت به ولا اعتراض عليه فتوكل عليه في كل أمر وإن صعب ، ولعله اقتصر على النذارة لأن المقام يقتضيها من أجل أنهم أهل لها وأنها هي التي يطمعون في تركها بإطماعهم في المؤالفة بالإعراض عما يوجب المخالفة ؛ والصدر : مسكن القلب ، يشبه به رئيس القوم والعالي المجلس لشرف منزلته على غيره من الناس ؛ والكنز : المدفون ، وقد صار في الدين صفة ذم لكل مال لم يخرج منه الواجب من الزكاة وإن لم يكن مدفونا ، والآية من الاحتباك : نفي أولا قدرته صلىاللهعليهوسلم على الإتيان بما سألوا دليلا على قدرة مرسله على ذلك وغيره ثانيا. وأثبت الوكالة ثانيا دليلا على نفيها أولا.
(أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥))
ولما كان ذوو الهمم العوال ، لا يصوبون إلى الكنوز والأموال ، وكان الملك إنما يراد لتطييب النفس بتثبيت الأمر. وكان فيما يشهد به إعجاز القرآن ببديع نظمه وباهر حكمه وحكمه وزاجر غرائبه ووافر علمه ما يغني عن ذلك ، وكان في كل آية منه ما يبين للفهم سفساف قدحهم في الرسالة ، كان موضع الإنكار له ، فكان كأنه قيل : أيقولون ذلك تعنتا منهم واقتراحا وإعراضا عن معجز القرآن فأعرض عنه فإنه لا يضر في وجه الدليل (أَمْ يَقُولُونَ) أي مكررين (افْتَراهُ) فكان ذلك موضع أن يقال : نعم ، إنهم ليقولون ذلك فيقدحون في الدليل فماذا يقال لهم؟ فقيل : (قُلْ) أي لهم على سبيل التنزل (فَأْتُوا) يا معاشر العرب فإنكم مثلي في العربية واللسان والمولد والزمن وفيكم من يزيد عليّ بالكتابة والقراءة ومخالطة العلماء والتعلم من الحكماء ونظم الشعر واصطناع الخطب والنثر وتكلف الأمثال وكل ما يكسب الشرف والفخر (بِعَشْرِ سُوَرٍ) أي قطع ، كل قطعة منها تحيط بمعنى تام يستدل فيها عليه (مِثْلِهِ) أي تكون العشر مثل جميع القرآن في طوله وفي مثل احتوائه على أساليب البلاغة وأفانين العذوبة والمتانة والفحولة والرشاقة حال كونها (مُفْتَرَياتٍ) أي أنكم قد عجزتم عن الإتيان بسورة أي قطعة واحدة آية أو آيات من مثله فيما هو عليه من البلاغة والإخبار بالمغيبات والحكم والأحكام والوعد والوعيد والأمثال وادعيتم مكابرة أنه مفترى فارغ عن الحكم فأتوا بعشر مثله في مجرد البلاغة غير ملزمين بحقائق المعاني وصحة المباني ـ ذكره البغوي عن المبرد ، وقد مضى في البقرة عند (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) عن الجاحظ وغيره ما
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
