فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢))
ولما جرت العادة بأن أهل الشدائد يتوقعون الخلاص ، أخبر أن هؤلاء ليسوا كذلك ، لأنهم أنجاس فليسوا أهلا لمواطن الأقداس ، فقال مستأنفا لجواب منه كأنه قال : أما لهؤلاء خلاص؟ وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف : (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي وهي المعروفة بالعظمة بالنسبة إلينا (وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها) أي وأوجدوا الكبر متجاوزين عن اتباعها (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ) أي لصعود أعمالهم ولا دعائهم ولا أرواحهم ولا لنزول البركات عليهم (أَبْوابُ السَّماءِ) لأنها طاهرة عن الأرجاس الحسية والمعنوية فإذا صعدت أرواحهم الخبيثة بعد الموت مع ملائكة العذاب أغلقت الأبواب دونها ثم ألقيت من هناك إلى سجين (وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) أي التي هي أطهر المنازل وأشرفها (حَتَّى) يكون ما لا يكون بأن (يَلِجَ) أي يدخل ويجوز (الْجَمَلُ) على كبره (فِي سَمِ) أي في خرق (الْخِياطِ) أي الإبرة أي حتى يكون ما لا يكون ، إذا فهو تعليق على محال ، فإن الجمل مثل في عظم الجرم عند العرب ، وسم الإبرة مثل في ضيق المسلك ، يقال : أضيق من خرق الإبرة ، ومنه الماهر الخريت للدليل الذي يهتدي في المضايق المشبهة بأخراق الإبر ؛ وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن الجمل فقال : زوج الناقة ـ استجهالا للسائل وإشارة إلى أن طلب معنى آخر غير هذا الظاهر تكلف.
ولما كان هذا للمكذبين المستكبرين أخبر أنه لمطلق القاطعين أيضا فقال : (وَكَذلِكَ) أي ومثل ذلك الجزاء بهذا العذاب وهو أن دخولهم الجنة محال عادة (نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل وإن كانوا أذنابا مقلدين للمستكبرين المكذبين ؛ ثم فسر جزاء الكل فقال : (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ) أي فرش من تحتهم ، جمع مهد ، ولعله لم يذكره لأن المهاد كالصريح فيه (وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ) أي أغطية ـ جمع غاشية ـ تغشيهم من جهنم ؛ وصرح في هذا بالفوقية لأن الغاشية ربما كانت عن يمين أو شمال ، أو كانت بمعنى مجرد الوصول والإدراك ، ولعله إنما حذف الأول لأن الآية من الاحتباك ، فذكر جهنم أولا دليلا على إرادتها ثانيا ، وذكر الفوق ثانيا دليلا على إرادة التحت أولا.
ولما كان بعضهم ربما لا تكون له أهلية قطع ولا وصل ، قال عاما لجميع أنواع الضلال : (وَكَذلِكَ) أي ومثل ذلك الجزاء (نَجْزِي الظَّالِمِينَ) ليعرف أن المدار على الوصف ، والمجرم : المذنب ، ومادته ترجع إلى القطع ، والظالم : الواضع للشيء في
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
