الملك الأعلى بما أخذوا من الدنيا من الخسيس الفاني وتركوا مما كشف لهم عنه البعث من النعيم الشريف الباقي ؛ ولما كان الذي وقع منه تكذيب مرة في الدهر قد يفيق بعد ذلك فيهتدي ، قال عاطفا على الصلة : (وَما كانُوا) أي جبلة وطبعا (مُهْتَدِينَ) مشيرا إلى تسفيههم فيما يدعون البصر فيه من أمر المتجر والمعرفة بأنواع الهداية.
(وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩))
ولما كان إخبار الصادق بهلاك الأعداء مقرا للعين ، وكانت مشاهدة هلاكهم أقر لها ، عطف على قوله (قَدْ خَسِرَ : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ) أي إراءة عظيمة قبل وفاتك (بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) أي في الدنيا بما لنا من العظمة فهو أقر لعينك (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) قبل ذلك (فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ) فنريك فيما هنالك ما هو أقر لعينك وأسر لقلبك ، فالآية من الاحتباك : ذكر أولا الإرادة دليلا على حذفها ثانيا ، والوفاة ثانيا دليلا على حذفها أولا ؛ و (ثُمَّ) في قوله : (ثُمَّ اللهُ) أي المحيط بكل شيء (شَهِيدٌ) أي بالغ الشهادة (عَلى ما يَفْعَلُونَ) في الدارين ـ يمكن أن يكون على بابها ، فتكون مشيرة إلى التراخي بين ابتداء رجوعهم بالموت وآخره بالقيامة ، وليس المراد بقوله (شَهِيدٌ) ظاهره ، بل العذاب الناشىء عن الشهادة في الآخرة إلى أن الله يعاقبهم بعد مرجعهم ، فيريك ما بعدهم لأنه عالم بما يفعلون.
ولما كان في هذه الآية التهديد بالعذاب إما في الدنيا أو في الآخرة غير معين له صلىاللهعليهوسلم واحدة منهما ، أتبعها بما هو صالح للأمرين بالنسبة إلى كل رسول إشارة إلى أن أحوال الأمم على غير نظام فلذلك لم يجزم بتعيين واحدة من الدارين للجزاء ، وجعل الأمر منوطا بالقسط ، ففي أي دار كان أحكم جعله فيها ، فقال تعالى : دالا على أنه نشر ذكر الإسلام وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر من عهد آدم عليهالسلام إلى آخر الدهر على وجه لم يحصل له اندراس في دهر من الدهور ، فمن تركه استحق العذاب سواء كان ممن بين عيسى ومحمد عليهماالسلام أم لا ، فلا تغتر بما يقال من غير هذا : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ) أي من الأمم التي خلت قبلك (رَسُولٌ) يدعوهم إلى الله ؛ ثم سبب عن إتيان رسولهم بيان القضاء فيهم فقال : (فَإِذا جاءَ) أي إليهم (رَسُولُهُمْ) في الدنيا بالبينات والهدى ؛ وفي الآخرة في الموقف بالإخبار بما صنعوا به
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
