الْأَرْضِ) من العثي وهو الفساد ، وهو مقلوب عن العيث ـ قاله ابن القطاع ، وحينئذ يكون قوله : (مُفْسِدِينَ) بمعنى متعمدين للفساد.
(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩))
ولما حصل الالتفات إلى جوابهم ، قيل : (قالَ الْمَلَأُ) أي الأشراف ، وبينه بقوله : (الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) أي أوقعوا الكبر واتصفوا به فصار لهم خلقا فلم يؤمنوا ؛ ونبه على التأسية بقوله : (مِنْ قَوْمِهِ) ولما قال : (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) كان ربما فهم أنهم آمنوا كلهم ، فنفى ذلك بقوله مبدلا منه : (لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) أي المستضعفين ، فهو أوقع في النفس وأروع للجنان من البيان في أول وهلة مع الإشارة إلى أن أتباع الحق هم الضعفاء ، وأنه لم يؤمن إلا بعضهم ، ففيه إيماء إلى أن الضعف أجلّ النعم لملازمته لطرح النفس المؤدي إلى الإذعان للحق ، وبناؤه للمفعول دليل على أنهم في غاية الضعف بحيث يستضعفهم كل أحد (أَتَعْلَمُونَ) أي بدؤوهم بالإنكار صدا لهم عن الإيمان (أَنَّ صالِحاً) سموه باسمه جفاء وغلظة وإرهابا للمسؤولين ليجيبوهم بما يرضيهم (مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ) وكأنهم قالوه ليعلموا حالهم فيبنوا عليه ما يفعلونه ، لأن المستكبرين لا يتم لهم كبرهم إلا بطاعة المستضعفين.
ولما علموا ذلك منهم ، أعلموهم بالمنابذة اعتمادا على الكبير المتعال الذي يضمحل كل كبر عند كبره ولا يعد لأحد أمر مع أمره ، بأن (قالُوا) منبهين لهم على غلظتهم وغلطهم في توسمهم في حالهم معبرين بما دل على العلم بذلك والإذعان له (إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ) وبني للمفعول إشارة إلى تعميم التصديق وإلى أن كونه من عند الله أمر مقطوع به لا يحتاج إلى تعيين (مُؤْمِنُونَ) أي غريقون في الإيمان به ، ولذلك (قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) أي في جوابهم معبرين بما يدل على المخالفة لهم والمعاندة (إِنَّا بِالَّذِي) ووضعوا موضع «أرسل به» ـ ردا لما جعلوه معلوما وأخذوه مسلما (آمَنْتُمْ بِهِ) أي كائنا ما كان (كافِرُونَ) ثم سبب عن قولهم قوله (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) أي التي جعلها الله لهم آية ، وعبر بالعقر دون النحر لشموله كل سبب لقتلها لأن ابن إسحاق ذكر أنه
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
