ومشيئته نافذة في كل شيء مع الدلالة على أن وقوع خلاف المشيئة مستحيل لا يمكن لغيره تعالى بإكراه ولا غيره ، والمشيئة معنى يكون به الفعل مرادا أخذت من الشيء ، والمراد بالآية تخفيف ما يلحق النبي صلىاللهعليهوسلم من التحسر للحرص على إيمانهم (وَما كانَ) أي وما ينبغي ولا يتأتى (لِنَفْسٍ) أي واحدة فما فوقها (أَنْ تُؤْمِنَ) أي يقع منها إيمان في وقت ما (إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي بإرادة الملك الأعلى الذي له الخلق والأمر وتمكينه ، فيجعل الثبات والطمأنينة ـ اللازمين للإيمان الذي هو أبعد شيء عن السحر ـ على الذين ينتفعون بعقولهم فيلزمون معالي الأخلاق التي هي ثمرات للإيمان (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ) أي الاضطراب والتزلزل الذي يلزمه التكذيب الذي هو أشبه شيء بالسحر لأنه تخييل ما لا حقيقة له والقذر والقباحة والغضب والعقاب الناشىء عنه.
ولما كان ما في هذه السورة من الدلائل قد وصل في البيان إلى حد لا يحتاج فيه إلى غير مجرد العقل قال : (عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) أي لا يوجد لهم عقل ، فهم لذلك لا ينتفعون بالآيات وهم يدعون أنهم أعقل الناس فيتساقطون في مساوىء الأخلاق وهم يدعون أنهم أبعد الناس عنها ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ؛ والنفس : خاصة الشيء التي لو بطل ما سواها لم يبطل ذلك الشيء ، ونفسه وذاته واحد.
(قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥))
ولما تقرر ما مضى من النهي عن الإصغاء إليهم في طلب الآيات ، وختم بتعليق الأمر بمجرد المشيئة ، كان كأنه قيل : فماذا يقال لهم إذا طلبوا؟ فقال : (قُلِ) أي يا أشرف الخلق لهم غير مهتم بأمرهم ومنبها لهم على إبطال مذهب الجبر المتعلق أصحابه بنحو هذه الآية ، لأن المشيئة مغيبة والعبد مأمور ببذل الجهد في الطاعة بما له من القدرة والاختيار.
ولما أمر بهذا الفكر فكان ربما ظن لأجله أن للإنسان قدرة مستقلة ، نبه على مذهب أهل السنة القائل بالكسب الذي هو ـ كما قال الإمام علي رضي الله عنه ـ أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض ، فقال معلما أن من حكم بشقائه لا ينفعه شيء : (انْظُرُوا)
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
