رجع إلى قسم ما شرط به الانتهاء عن الإفساد فقال : (وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ) أي جماعة فيهم كثرة بحيث يتحلقون بمن يريدون (آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) وبناه للمفعول إشارة إلى أن الفاعل معروف بما تقدم من السياق ، وأنه صار بحيث لا يتطرق إليه شك لما نصب من الدلالات (وَطائِفَةٌ) أي منكم (لَمْ يُؤْمِنُوا) أي بالذي أرسلني به من أيدني بما علمتم من البينات ، وحذرهم سطوته بقوله : (فَاصْبِرُوا) أي أيها الفريقان (حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ) أي الذي له جميع العظمة (بَيْنَنا) أي بين فريقنا بإعزاز المصلح وإهلاك المفسد كما أجرى بذلك عادته (وَهُوَ) أي والحال أنه (خَيْرُ الْحاكِمِينَ) لأنه يفصل النزاع على أتم وجه وأحكمه.
(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩))
ولما انتهى كلامه عليهالسلام على هذا الوجه البديع ، أخبر سبحانه بما أفهم أن قومه لم يجدوا عنه جوابا أصلا لأنهم انتقلوا إلى الدفاع بالفعل ، وهو أمارة الانقطاع ، فقال مستأنفا : (قالَ الْمَلَأُ) أي الأشراف (الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) أي أوجدوا الكبر إيجاد من هو طالب له بغاية الرغبة ، وخصهم ليحصل تمام التسلية بقوله : (مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ) وبين غلظتهم وجفاءهم بقولهم : (يا شُعَيْبُ) من غير استعطاف ولا إجلال (وَالَّذِينَ آمَنُوا) ويجوز أن يتعلق قوله : (مَعَكَ) ب «آمنوا» وب «نخرج» (مِنْ قَرْيَتِنا) أي من المكان الجامع لنا لمفارقتكم إيانا (أَوْ لَتَعُودُنَ) أي إلا أن تعودوا ، أي ليكونن آخر الأمرين : إما الإخراج وإما العود (فِي مِلَّتِنا) أي بالسكوت عنا كما كنتم ، ولم يريدوا منه العود إلى الكفر لأنه صلىاللهعليهوسلم كان محفوظا قبل النبوة كإخوانه من الأنبياء عليهمالسلام ، بل كانوا يعدون سكوته عليهالسلام ـ قبل إرساله إليهم من دعائهم وسب آلهتهم وعيب دينهم ـ كونا في ملتهم ، ومرادهم الآن رجوعه عليهالسلام إلى تلك الحالة والقناعة ممن اتبعه بذلك ، فيكون مرادهم بالعود حقيقة في الجميع.
ولما كان كل من الإخراج والرد مستعظما ، أخبر تعالى أنه أنكره بقوله : (قالَ أَوَلَوْ) أي أتخرجوننا أو تعيدوننا لو كنا راضين للإخراج والعود ولو (كُنَّا كارِهِينَ).
ولما كان العرب أبعد الناس من مطلق الكذب وأشدهم له تحاميا ومنه نفرة فكيف بالكذب على الأكابر فكيف به على الملوك فكيف به على ملك الملوك! علق الكذب
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
