عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧))
ولما تقدم سبحانه إليه صلىاللهعليهوسلم في أمر الإنذار والإذكار بالكتاب تقدم إلى اتباعه فأمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع أهل الضلال وما يوحي إليهم أولياؤهم من زخارفهم بعد أن أخبر بكونه ذكرى أنه سبب لعلو شأنهم وعز سلطانهم ، فقال ملتفتا إليهم مقبلا بعز جلاله عليهم (اتَّبِعُوا) أي حملوا أنفسكم حملا عظيما بجد ونشاط على اتباع (ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) أي قد خصصتم به دون غيركم فاشكروا هذه النعمة (مِنْ رَبِّكُمْ) أي الذي لم يزل محسنا إليكم (وَلا تَتَّبِعُوا) ولعله عبر بالافتعال إيماء إلى أن ما كان دون علاج ـ بل هفوة وبنوع غفلة ـ في محل العفو (مِنْ دُونِهِ) أي دون ربكم (أَوْلِياءَ) أي من الذين نهيناكم عنهم في الأنعام وبينا ضررهم لكم من شياطين الإنس والجن وعدم إغنائهم وأن الأمر كله لربكم.
ولما كانوا قد خالفوا في اتباعهم صريح العقل وسليم الطبع ، وعندهم أمثلة ذلك لو تذكروا ، قال منبها لهم على تذكر ما يعرفون من تصرفاتهم : (قَلِيلاً) وأكد التقليل ب «ما» النافي وبإدغام تاء التفعل فقال : (ما تَذَكَّرُونَ) أي تعالجون أنفسكم على ذكر ما هو مركوز في فطركم الأولى فإنكم مقرون بأن ربكم رب كل شيء ، فكل من تدعون من دونه مربوب ، وأنتم لا تجدون في عقولكم ولا طباعكم ولا استعمالاتكم ما يدل بنوع دلالة على أن مربوبا يكون شريكا لربه.
ولما كان من أعظم ما يتذكر سار النعم وضار النقم للإقبال على الله والإعراض عما سواه وعدم الاغترار بأسباب الأمن والراحة ، قال : (وَكَمْ) أي قلّ تذكركم وخوفكم من سطواتنا والحال أنه كم (مِنْ قَرْيَةٍ) وإن جلت ؛ ولما كان المراد المبالغة في الإهلاك ، أسنده إلى القرية والمراد أهلها فقال : (أَهْلَكْناها) أي بما لنا من العظمة لظلمها باتباع من دون الله ، فلا تغتروا بأوليائكم من دونه وأنتم عالمون بأنهم لم ينفعوا من ضل من الأمم السالفة وقت إنزالنا بهم السطوة وإحلالنا بهم النقمة وتحقق المهلكون إذ ذاك ـ مع أنهم كانوا أشد منكم بطشا وأكثر عددا وأمتن كيدا ـ عدم إغنائهم فلم يوجهوا آمالهم نحوهم.
ولما كان المعنى : أردنا إهلاكها وحكمنا به ، سبب عنه قوله : (فَجاءَها بَأْسُنا) أي عذابنا بما لنا من القوة والعظمة ، أو الإهلاك على حقيقته وهذا تفصيل له وتفسير ؛ ولما كان لا فرق في إتيان عذابه سبحانه بين كونه ليلا أو نهارا ، وكان أفحش البأس وأشده ما كان في وقت الراحة والدعة والغفلة قال : (بَياتاً) أي وقت الاستكنان في البيوت ليلا كما أهلك قوم لوط عليهالسلام وقت السحر.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
