وصف (فَاعْبُدُوهُ) أي فخصّوه بالعبادة فإن عبادتكم مع الإشراك ليست عبادة ، ولو لا فضله لم يكن لمن زل أدنى زلة طاعة.
ولما سبب سبحانه عن أوصافه العلى ما وجب له من الأمر بالعبادة ، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم في التوقف عنها والاحتياج فيها إلى بروز الأمر بها لما قام على استحقاقه للأفراد بها من الأدلة التي فيهم شواهدها فقال : (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) أي ولو بأدنى أنواع التذكر بما أشار إليه الإدغام ، ما أخبركم سبحانه به ونبهكم عليه بما يعلمه كل أحد من نفسه من أنه لا يقدر أحد أن يعمل كل ما يريد ، ويعمل كثيرا مما لا غرض له فيه ويعلم أنه يضره إلى غير ذلك من الأمور ليعلم قطعا أن الفاعل الحقيقي غيره وأنه لا بد لهذا الوجود من مؤثر فيه هو في غاية العظمة لا يصح بوجه أن يشاركه شيء ولو كان أعظم ما يعرف من الأشياء فكيف بجماد لا يضر ولا ينفع!.
(إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥))
فلما تقرر أنه هو الذي بدأ الخلق ، تقرر بذلك أنه قادر على إعادته فقال : (إِلَيْهِ) أي خاصة (مَرْجِعُكُمْ) أي رجوعكم وموضع رجوعكم ووقته حال كونكم (جَمِيعاً) لا يتخلف منكم أحد ، تقدم وعده لكم بذلك (وَعْدَ اللهِ) أي الذي له الكمال كله (حَقًّا) فهو تعليل لعبادته لوحدانيته ، فيحيون بعد الموت ويحشرون إلى موضع جزاء الله تعالى لهم في زمانه الذي قدره له ، ويرفع ما كان لهم من المكنة في الدنيا ، فعلم قطعا أنه لا بد من الرسول ، فاستعدوا للقاء هذا الملك الأعظم بكل ما أمركم به رسوله صلىاللهعليهوسلم ؛ ثم أوضح التنبيه على قدرته مضمنا له بيان حكمته فقال معللا لوجوب المرجع إليه مؤكدا عدا لهم في عداد المنكر للابتداء لأجل إنكارهم ما يلزم عنه من تمام القدرة على البعث وغيره : (إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ) أي ينشئه النشأة الأولى ، له هذه الصفة متجددة التعلق على سبيل الاستمرار (ثُمَّ يُعِيدُهُ) ليقيم العدل في خلقه بأن ينجز لمن عبده ، وعده بأن يعزه ويذل عدوه وذلك معنى قوله : (لِيَجْزِيَ.)
ولما كان في سياق البعث ، قدم أهل الجزاء وبدأ بأشرفهم فقال : (الَّذِينَ آمَنُوا) أي أوجدوا هذا الوصف الذي هو الأساس المتقن لكل عمل صالح (وَعَمِلُوا) أي وصدقوا إيمانهم بأن عملوا (الصَّالِحاتِ) جزاء كائنا (بِالْقِسْطِ ،) واقتصر على العدل
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
