والسحر على وجوه كثيرة ، منه الأخذ بالعين ، ومنه ما يفرق به بين المرء وزوجه ، ومنه غير ذلك ، وأصله مأخوذ من التعلل بالباطل وقلب الأمر عن وجهه كما ذكرنا من لغة العرب.
ولما تناهى الأمر واشتد التشوف إلى ما صنع موسى عليهالسلام ، قال معلما عنه عطفا على (وَجاؤُ : وَأَوْحَيْنا) أي مظهرين لعظمتنا على رؤوس الأشهاد بما لا يقدر أحد أن يضاهيه (إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ) أي فألقاها (فَإِذا هِيَ) من حين إلقائه لها (تَلْقَفُ) أي تلتقم التقاما حقيقيا شديدا سريعا جدا بما دل عليه حذف التاء ، ودل على كثرة ما صنعوا بقوله : (ما يَأْفِكُونَ) أي يجددون حين إلقائهم في تزويره وقلبه عن وجهه ، فابتلعت ما كان ملء الوادي من العصيّ والحبال ، ثم أخذها موسى عليهالسلام فإذا هي كما كانت لم يزد شيء من مقدارها على ما كانت عليه ، وفي هذا السياق المعلم بتثبت موسى عليهالسلام بعد عظيم ما رأى من سحرهم إلى الإيحاء إليه بيان لأدبه عليهالسلام في ذلك المقام الضنك وسكونه تحت المقاربة مع مرسله سبحانه إلى بروز أوامره الشريفة.
(فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤))
ولما علم أن ما صنعوه إنما هو خيال ، وما صنعه موسى عليهالسلام أثبت من الجبال ، سبب معقبا قوله : (فَوَقَعَ الْحَقُ) أي الذي لا شيء أثبت منه ، فالواقع يطابقه لأن باطن الأمر مطابق لما ظهر منه من ابتلاعها لأمتعتهم فالإخبار عنه صدق ، وفيه تنبيه على أن فعلهم إنما هو خيال بالنسبة إلى ظاهر الأمر ، وأما في الباطن والواقع فلا حقيقة له ، فالإخبار عن تحرك ما ألقوه كذب.
ولما أخبر عن ثبات الحق ، أتبعه زوال الباطل فقال : (وَبَطَلَ) بحيث عدم أصلا ورأسا (ما كانُوا يَعْمَلُونَ) فدل بكان والمضارع على أنهم ـ مع بطلان ما عملوا ـ نسوا علمهم بحيث إنه أسند عليهم باب العمل بعد أن كان لهم به ملكة كملكة ما هو كالجبلة ـ والله أعلم ؛ ثم سبب عن هذا قوله : (فَغُلِبُوا هُنالِكَ) أي عند هذا الأمر العظيم العالي الرتبة (وَانْقَلَبُوا) أي جزاء على قلبهم لتلك الحقائق عن وجوهها حال كونهم (صاغِرِينَ) أي بعد أن كانوا ـ عند أنفسهم ومن يقول بقولهم وهم الأغلب ـ
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
