قال أبو حيان : وكانت السفينة ثلاث طبقات : السفلى للوحوش ، والوسطى للطعام والشراب ، والعليا له ولمن آمن معه ؛ ثم سلى المخاطب بهذه القصص صلىاللهعليهوسلم وذكره نعمته بكثرة من اتبعه مع صدعهم بمؤلم الإنذار على قصر الزمان دون نوح عليهمالسلام مع تطاول الزمن فقال : (وَما) أي والحال أنه ما (آمَنَ) كائنا (مَعَهُ) أي بإنذاره (إِلَّا قَلِيلٌ) بسبب تقديرنا لا باغضائهم بما كوفحوا به من الإنذار ؛ والتنور ـ قال أبو حيان : وزنه فعول عند أبي علي وهو أعجمي ، وقال ثعلب : وزنه تفعول من النور ، وأصله تنوور ، همزت الواو ثم خففت وشدد الحرف الذي قبلها ، والزوج قد كثر على الرجل الذي له امرأة ؛ قال الرماني : وقال الحسن في (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) [الذريات : ٤٩] : السماء زوج والأرض زوج ، والشتاء زوج ، والصيف زوج ، والليل زوج ، والنهار زوج ، حتى يصير الأمر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه شيء ، ومعنى ذلك في صحيح البخاري (١) وأقل ما قيل فيمن كان في السفينة ثمانية : نوح وامرأة له ، وثلاثة بنين : سام وحام ويافث ، ونساؤهم ؛ وأكثر ما قيل أنهم ثمانون ـ روي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤))
ولما أتاه الأمر بذلك ، بادر الامتثال فجمع من أمره الله به إلى السفينة بعد أن هيأها لهم (وَقالَ) أي لمن أمر بحمله (ارْكَبُوا) ولما كانت الظرفية أغلب على السفينة قال : (فِيها) أي السفينة ؛ ولما أمرهم بالركوب فركبوا ، استأنف قوله ، أو أمرهم بالركوب قائلين : (بِسْمِ اللهِ) أي الذي له الإحاطة الكاملة (مَجْراها وَمُرْساها) أي إجرائها وإرساءها ومحلهما ووقتهما ، وقرأ الحسن وقتادة وحميد الأعرج وإسماعيل بن مجالد عن عاصم بكسر الراء والسين كسرا خالصا بعده ياءان خالصتان على أن الاسمين صفتان للجلالة ؛ ثم علل نجاتهم بالإجراء والإرساء اعترافا بأنه لا نجاة إلا بعفوه بقوله : (إِنَّ رَبِّي) أي المحسن إلي بما دبر مني هذا الأمر وغيره ، وزاد في التأكيد تطييبا لقلوب من معه معرفا لهم بأن أحدا لن يقدر الله حق قدره وأن العبد لا يسعه إلا الغفران فقال :
__________________
(١) قال البخاري في تفسير سورة الذاريات : زوجي : الذكر والأنثى ، واختلاف الألوان : حلو وحامض.
وذكر السيوطي في الدر المنثور ٦ / ١٤٠ عن مجاهد مثل كلام الحسن الذي ذكره المصنف.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
