بِما) أي بسبب ما (كانُوا) أي جبلة وطبعا (يَكْسِبُونَ) فإن كسبهم كله ضلال ـ أنه لا يعاجلهم بالعقاب على تأخير المتاب ، وجعلت ملاقاة ما لا يقدر عليه إلا الله ملاقاة الله تفخيما لشأنها كما جعل إتيان جلائل آيات الله في قوله : (إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ) [البقرة : ٢١٠] ونحوه ، والاطمئنان : الركون إلى الشيء على تمكن فيه ، فهؤلاء مكنوا الأحوال للدنيا فصار فرحهم وسخطهم لها ؛ والغفلة : ذهاب المعنى عن القلب بما يضاد حضوره إياه ، واليقظة نقيضها.
ولما انقضى هذا القسم حالا ومآلا ، أتبعه سبحانه القسم الآخر بقوله مؤكدا لإنكار الكفار هدايتهم : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي أوجدوا هذا الوصف بما لهم من القوة النظرية التي كمالها معرفة الأشياء وسلطانها معرفة الله تعالى (وَعَمِلُوا) أي وصدقوا دعواهم الإيمان بأن عملوا (الصَّالِحاتِ) بالقوة العملية التي سلطانها عبودية الله تعالى ، والصالح : ما جاء بالحث عليه الأنبياء عليهمالسلام (يَهْدِيهِمْ) أي على سبيل التجدد والاستمرار (رَبُّهُمْ) أي المحسن إليهم (بِإِيمانِهِمْ) أي بسبب تصديقهم وإذعانهم لمعرفة الآيات التي غفل عنها الذين يأملون البقاء ولا يرجون اللقاء ، فقادتهم إلى دار السّلام ، وهذا كما كان كثير من الصحابة رضي الله عنهم بعد إسلامهم يشتد تعجبهم مما كان من تباطئهم عن الإسلام ، وكما ترى أنك تخنق على بعض الكملة فلا يدعك حظ النفس ترى له حسنة ، ثم إنك قد ترضى عنه فتراه كله محاسن.
ولما ذكر أن مآل القسم الأول النار ، ذكر مآل هذا القسم في معرض سؤال من يقول : ماذا تورثهم هدايتهم؟ فقيل له : (تَجْرِي) وأشار إلى قرب منال المياه وانكشافها عن كل ما ينتفع به في غير ذلك بإثبات الجار فقال : (مِنْ تَحْتِهِمُ) أي تحت غرفهم وأسرّتهم وغير ذلك من مشتهياتهم كقوله تعالى (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) [مريم : ١٤] وكذا قول فرعون (وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) [الزخرف : ٥١] (الْأَنْهارُ) كائنين (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) أي التي ليس فيها من غيره.
(دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١))
ولما كان الواجب على العباد أولا تنزيهه تعالى عن النقائص التي أعظمها الإشراك. وكان من فعل ذلك سلم من غوائل الضلال فربح نفسه فعرف ربه وفاز في شهود حضرته بمشاهدة أوصاف الكمال ، أشار إلى التسليك في ذلك بقوله : (دَعْواهُمْ)
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
