منهم ، بغير فداء ، يرد الله أن يكون وبال ذلك راجعا إليهم فيمكن منهم ، فلا تخش من أمرهم (فَقَدْ خانُوا اللهَ) أي الملك الأعظم ؛ ولما كانت خيانتهم غير مستغرقة للزمن ، أدخل الجار فقال : (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل هذا الوقت بالكفر وغيره من أنواع الفسق (فَأَمْكَنَ) أي فأوجد الإمكان منهم ، وقصره ليدل على أنهم صاروا سلما لكل أحد (مِنْهُمْ) أي يوم بدر بسبب خيانتهم ، فمثل ما أمكن منهم عند وقوع الخيانة سيمكنك منهم إذا أرادوا الخيانة ، فإن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (وَاللهُ) أي الذي له الإحاطة بكل شيء (عَلِيمٌ) أي بالغ العلم مطلقا فهو يعلم الأشياء كلها التي منها أحوالهم (حَكِيمٌ) أي بالغ الحكمة فهو يتيقن كل ما يريده فهو يوهن كيدهم ويتقن ما يقابلهم به فيلحقهم لا محالة ، وكذا فعل سبحانه في أبي عزة الجمحي فإنه سأل النبي صلىاللهعليهوسلم في المن عليه بغير شيء لفقره وعياله وعاهده على أن لا يظاهر عليه أحدا ومدحه ثم خان فظفر به في غزوة حمراء الأسد عقب يوم أحد أسيرا ، فاعتذر له وسأله في العفو عنه فقال : ألا تمسح عارضيك بمكة وتقول : سخرت بمحمد مرتين ، لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ، وأمر به فضربت عنقه (١) ، وقال أبو حيان في الخيانة : هي كونهم أظهر بعضهم الإسلام ثم رجعوا إلى دينهم.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣))
ولما بين للأسرى أن الخير الذي لم يطلع عليه من قلوبهم غير الله لا ينفعهم في إسقاط الفداء عنهم لأنه لا دليل عليه ، وكل ما لا دليل عليه فحكمه حكم العدم ، لأن مبنى الشرع على ما يمكن المكلف معرفته وهو الظواهر ، وختم بصفتي العلم والحكمة ، شرع يبين الخبر الذي يفيد القرب الذي تنبني عليه المناصرة وكل خير ، فقال مقسما أصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم أربعة أقسام : قسم جمع الإيمان والهجرة أولا والجهاد ، وقسم آوى ، وقسم آمن ولم يهاجر ، وقسم هاجر من بعد : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي بالله ورسوله
__________________
(١) قصة أبي عزة الجمحي هي عند البيهقي في الدلائل ٣ / ٢٨٠ ـ ٢٨١ وسيرة ابن هشام ٣ / ٦٦.
واللفظ النبوي : «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين».
أخرجه البخاري ٦١٣٣ ومسلم ٢٩٩٨ وأبو داود ٤٨٦٢ وابن ماجه ٣٩٨٢ وابن حبان ٦٦٣ والبيهقي ٦ / ٣٢٠ و ١٠ / ١٢٩ وأحمد ٢ / ٣٧٩ من حديث أبي هريرة.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
