ولما كان السياق ـ كما مضى ـ لبيان إسراعهم في الكفر وشدة علوتهم في قوتهم وجلافتهم ، وكان مقصود السورة إنذار المعرضين وتحذيرهم من القوارع التي أحلها بالماضين ، بين سوء العذاب عادلا في بيانه عن التذبيح ـ لأنه لا يكون عند الانذباح ، وهو في الأصل لمطلق الشق ـ إلى التعبير بالقتل لأنه أدل على الإماتة وأهز ، لأنه قد يكون على هيئة شديدة بشعة كالتقطيع والنخس والخبط وغير ذلك مع أنه لا بد فيه من تفويت ذلك فقال : (يُقَتِّلُونَ) أي تقتيلا كثيرا ـ (أَبْناءَكُمْ) ودل على حقيقة القتل بقوله : (وَيَسْتَحْيُونَ).
ولما كان المعنى أنهم لا يعرضون للإناث صغارا ولا كبارا ، وكان إنكار ما يكون إبقاء النساء بلا رجال لما يخشى من الضياع والعار ، وكان مظنة العار أكبر ـ عبر عنهن بقوله : (نِساءَكُمْ) وتنبيها على أن قتل الأبناء إنما هو للخوف من صيرورتهم رجالا لئلا يسلبهم واحد منهم أعلمهم به كهانهم ملكهم ؛ وأشار إلى شدة ذلك بقوله : (وَفِي ذلِكُمْ) أي الأمر الصعب المهول (بَلاءٌ) أي اختبار لكم ولهم (مِنْ رَبِّكُمْ) أي المحسن إليكم في حالي الشدة والرخاء ، فإنه أخفى عنهم الذي قصدوا القتل لأجله ، وأنقذكم به بعد أن رباه عند الذي هو مجتهد في ذبحه (عَظِيمٌ).
(وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤))
ولما ذكرهم بنعمة إنجاء الأبدان ، أتبعها التذكير بأكبر منها إذ كانت لحفظ الأديان وصيانة جوهرة الإيمان بما نصب لهم من الشرع في التوراة ، فقال معجبا من حالهم إذ كان في الإنعام عليهم بنصب الشرع الهادي لهم من الضلال واختصاص نبيهم بمزيد القرب بالمناجاة ، وهم في اتخاذ إله سواه ، لا نفع فيه أصلا ، ولا يرضى قلب أو عقل أن يعبده ، عاطفا له على ما سبق تعجيبه به منهم في قوله : (وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ :) [الأعراف : ١٣٨] (وَواعَدْنا) أي على ما لنا من باهر العظمة (مُوسى ثَلاثِينَ) أي مناجاة ثلاثين (لَيْلَةً) أي عقبها (وَأَتْمَمْناها) أي المواعدة (بِعَشْرٍ) أي ليال ، وذلك لأنه لما مضت ثلاثون ليلة ، وهو شهر ذي القعدة فيما قيل ، وكان موسى عليهالسلام قد صامها
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
