الموضع بالخلاف لأنه يخص هذه الأمة ، فلعلها تخص بجنة هي أعظم الجنان ريا وحسنا وزيا.
ولما كان أعظم العيوب الانقطاع ، نفاه بقوله : (خالِدِينَ فِيها) وأكد المراد من الخلود بقوله : (أَبَداً) ثم استأنف مدح هذا الذي أعده لهم بقوله : (ذلِكَ) أي الأمر العالي المكانة خاصة (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ*.)
(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤))
ولما استوفى الأقسام الأربعة : قسمي الحضر وقسمي البدو ثم خلط بين قسمين منهم تشريفا للسابق وترغيبا للاحق ، خلط بين الجميع على وجه آخر ثم ذكر منهم فرقا منهم من نجز الحكم بجزائه بإصرار أو متاب. ومنهم من أخر أمره إلى يوم الحساب ، وابتدأ الأقسام بالمستور عن غير علمه ليعلم أهل ذلك القسم أنه سبحانه عالم بالخفايا فلا يزالوا أذلاء خوفا مما هددهم به فقال مصرحا بما لم يتقدم التصريح به من نفاقهم : (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ) أي حول بلدكم المدينة (مِنَ الْأَعْرابِ) أي الذين قدمنا أنهم أشد كفرا لما لهم من الجفاء (مُنافِقُونَ) أي راسخون في النفاق ، وكأنه قدمهم لجلافتهم (١) وعتوهم (٢) ، وأتبعهم من هو أصنع منهم في النفاق فقال : (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) أي منافقون أيضا ؛ ثم بين أنهم لا يتوبون بوصفهم بقوله : (مَرَدُوا) أي صلبوا وداموا وعتوا وعسوا (٣) وعصوا وصار لهم به دربة عظيمة وضراوة حتى ذلت لهم فيه جميع أعضائهم الظاهرة والباطنة وصار لهم خلقا (عَلَى النِّفاقِ) أي استعلوا على هذا الوصف بحيث صاروا في غاية المكنة منه ؛ ثم بين مهارتهم فيه بقوله : (لا تَعْلَمُهُمْ) أي بأعيانهم مع ما لك من عظيم الفطنة وصدق الفراسة لفرط توقيهم وتحامي ما يشكل من أمرهم ؛ ثم
__________________
(١) قولهم أعرابي جلف أي : جاف.
(٢) العاتي : المجاوز للحدّ في الاستكبار والعاتي : الجبار أيضا.
(٣) عسا الشيء : من باب سما وعساء بالمد : أي يبس وصلب وعسا الشيخ يعسو عسيّا : ولّى وكبر مثل عتا.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
