ممن يحضر نزول الذكر كثيرا مع احتمالهما للعموم ، والختم هنا ب (لا يَفْقَهُونَ) أنسب لأن المقام ـ وهو النظر في زيادة الإيمان بالنسبة إليهم ـ يقتضي فكرا وتأملا وإن كان بالنظر إلى المؤمنين في غاية الوضوح.
ولما أمر صلىاللهعليهوسلم أن يبلغ هذه الأشياء الشاقة جدا من أمر هذه السورة ، وكان من المعلوم أنه لا يحمل ذلك إلا من وفقه الله تعالى ، وأما المنافقون فيكرهون ذلك وكان انصرافهم دالا على الكراهة ، عرفهم أن الأمر كان يقتضي توفر دواعيهم على محبة هذا الداعي لهم المقتضي لملازمته والبعد عما يفعلونه به من الانصراف عنه ، وأن أحواله الداعية لهم إلى محبته أعظم من أحوال آبائهم التي أوجبت لهم منهم من المحبة وعليهم من الحقوق ما هم مفتخرون بالتلبس به والمغالاة فيه ، وأن كل ما يحصل بهذا القرآن من العز والشرف في الدنيا فهو لكل من آمن به فقال : (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ.)
ولما كان الرسول يجب إكرامه والوقوف في خدمته لأجل مرسله ولو تجرد عن غير ذلك الوصف ، شرع يذكر لهم من أوصافه ما يقتضي لهم مزيد إكرامه فقال : (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) أي ترجعون معه إلى نفس واحدة بأنكم لأب قريب ، وذلك أقرب إلى الألفة وأسرع إلى فهم الحجة وأبعد من المحل واللجاجة (عَزِيزٌ) أي شديد جدا (عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ) والعزة : امتناع الشيء بما يتعذر معه ما يحاول منه بالقدرة أو بالقلة أو بالصعوبة ، والعنت : لحاق الأذى الذي يضيق الصدر به ولا يهتدي للمخرج منه (حَرِيصٌ) أي بليغ الحرص (عَلَيْكُمْ) أي على نفعكم ، والحرص : شدة طلب الشيء على الاجتهاد فيه ، وقدم الجار لإفادة الاختصاص فقال : (بِالْمُؤْمِنِينَ) أي العريقين في هذا الوصف كافة خاصة ، ولما ذكر الوصف المقتضي للرسوخ ، قدم ما يقتضي العطف على من يتسبب له بما يقتضي الوصلة فقال : (رَؤُفٌ) أي شديد الرحمة لمن له منه عاطفة وصلة لما تقدم من معنى الرأفة قريبا.
ولما كان المؤمن يطلق مجازا على من يمكن منه الإيمان فوصلته الآن ليست بالفعل بل الإمكان ، قال تعميما لرحمته صلىاللهعليهوسلم كما هو اللائق بشريف منصبه وعظيم خلقه : (رَحِيمٌ) ولأجل مثل هذه الأغراض النفسية رتب سبحانه هذين الوصفين هكذا ، ولكن المعاني المرادة تارة يظهرها الله تعالى لعبده منحة له وإكراما ، وتارة يخفيها إظهارا لعجزه ونقصانه ثم يظهرها له في وقت آخر إن صدق في التضرع وإظهار الافتقار والتذلل وأدام الطلب ، أو لغيره ممن هو أقل منه علما وأضعف نظرا وفهما ، وإذا تأملت كتابي هذا ظهر لك أن كثيرا من الآيات فسرها على غير المراد منها قطعا أكابر العلماء ، فعلى الإنسان ـ إذا خفي عليه أمر ـ أن يقول : لا أعلم ، ولا يظن أنه رتب شيء من هذا
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
