مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧))
ولما توعد الكافرين وأخبر عن مآلهم بسببه ، كان موضع أن يسأل عن حال المؤمنين فقال : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي أوجدوا هذه الحقيقة (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) ولما كان حاصل ما مضى من وصف الكافرين بعد مطلق الأعمال السيئة الإعراض عن ربهم والنفرة عن المحسن إليهم جلافة وغلظة ، وصف المؤمنين بالإقبال عليه والطمأنينة إليه فقال : (وَأَخْبَتُوا) أي خشعوا متوجهين منقطعين (إِلى رَبِّهِمْ) أي المحسن إليهم فشكروه فوفقهم لاستطاعة السمع والإبصار.
ولما ذكر وصفهم ذكر جزاءهم عليه بقوله : (أُولئِكَ) أي العالو الرتبة (أَصْحابُ الْجَنَّةِ) ولما كانوا مختصين بها أو بالخلود من أول الأمر ، أعاد الضمير فقال : (هُمْ فِيها) أي خاصة لا في غيرها (خالِدُونَ).
ولما استوفى أوصاف الحزبين وجزاءهم ، ضرب للكل مثلا بقوله : (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ) أي الكافرين والمؤمنين ، وهو من باب اللف والنشر المرتب ، فإن الكافر ذكر فيما قبل أولا (كَالْأَعْمى) أي العام العمى في بصره وبصيرته (وَالْأَصَمِ) في سمعه كذلك ، فهذا للكافرين (وَالْبَصِيرِ) بعينه وقلبه (وَالسَّمِيعِ) على أتم أحوالهما ، وهذا للمؤمنين ، وفي أفراد المثل طباق أيضا (هَلْ يَسْتَوِيانِ) أي الفريقان (مَثَلاً) أي من جهة المثل. ولما كان الجواب قطعا لمن له أدنى تأمل : لا يستويان مثلا فلا يستويان ممثولا ، حسن تسبب الإنكار عنه في قوله : (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) أي يحصل لكم أدنى تذكر بما أشار إليه الإدغام فتعلموا صدق ما وصفوا به بما ترونه من أحوالهم ، وذلك ما قدم في حق الكفار من قوله : (ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) الآية ؛ والإخبات : الخشوع المستمر على استواء فيه ، وأصله الاستواء من الخبت ، وهو الأرض المستوية الواسعة ، ولعله وصله بإلى في موضع اللام إشارة إلى الإخلاص أي إخباتا ينتهي إلى ربهم من غير أن يحجب عنه ؛ والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بحال الأول ، والأمثال لا تغير عن صورتها.
ولما تم ذلك على أوضح المسالك ، وختم بالحث على التذكر ، وكان تقديم ذكر كتاب موسى محركا لتوقع ذكر نبئه ونبأ غيره من الرسل ، عطف ـ مقرونا بحرف التوقع على العامل الذي قدرته في قوله : ألا (تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ) أو على قوله : (إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ) وهو أحسن وأقرب ـ قوله : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا) أي بما لنا من العظمة (نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) أي الذين هم على لسانه ؛ وما بعد ذلك من القصص تقريرا لمضمون هذا المثل وتثبيتا وتسلية وتأييدا وتعزية لهذا النبي الكريم لئلا يضيق صدره بشيء مما أمر بإبلاغه حرصا
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
