أعظم التحام ، ثم عاد الكلام إلى حكم المنافقين وهتك أستارهم ـ انتهى. وأما تطابق آخر الأنفال مع أولها فقد ظهر مما مضى ، وأيضا فلما ذكر في آخر التي قبلها أمر العهد تارة بنبذه إلى من خيفت خيانته كائنا من كان في قوله (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ) [الأنفال : ٥٨] وتارة بالتمسك به عند الأمن من ذلك في قوله (إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) [الأنفال : ٧٢] وبين من يصلح للموالاة ومن لا يصلح ، وختمت بالإخبار بشمول علمه ، ابتدئت هذه السورة بالأمر بالنبذ إلى ناس بأعيانهم نقضوا أو خيف منهم ذلك ، وذلك تصريح بما أفهمته آيات الموالاة في التي قبلها من أن إحدى الفرقتين لا تصلح لموالاة الأخرى فقال تعالى :
(بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢))
(بَراءَةٌ) أي عظيمة ، ثم وصفها بقوله : (مِنَ) أي حاصلة واصلة من (اللهِ) أي المحيط بصفات الكمال ، فهو العالم بمن يستحق الولاية ومن يستحق البراءة (وَرَسُولِهِ) أي المتابع لأمره لعلمه به.
ولما كانوا قد توقفوا في الحديبية كلهم أو كثير منهم تارة في نفس العهد وتارة في التأخر عن الأمر بالحلق ، ثم تابعوا في كل منهما ، وكان الكفار بمحل البعد عن كل خير ، أشار إلى ذلك بأداة الغاية ، وجعل الرسول صلىاللهعليهوسلم مع الله إشارة إلى أنه لا يخالفه أصلا ، وأسندت المعاهدة إليهم إشارة إلى ذلك التوقف تحذيرا من أن يقع مثله ، فقال مخبرا عن النبذ الموصوف : (إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ) أي أوقعتم العهد بينكم وبينهم (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي وإن كانت معاهدتكم لهم إنما كانت بإذن من الله ورسوله ، فكما فعلتم المعاهدة بإذنهما فافعلوا النقض تبعا لهما ، ودل سياق الكلام وما حواه من بديع الانتظام أن العهد إنما هو لأجل المؤمنين ، وأما الله ورسوله فغنيان عن ذلك ، أما الله فبالغنى المطلق ، وأما الرسول صلىاللهعليهوسلم فبالذي اختاره للرسالة لأنه ما فعل ذلك به إلا وهو قادر على نصره بسبب وبغير سبب ، وعلم أن ذلك فيمن نقض أو قارب من قوله بعد (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً) ـ الآية ؛ قال البغوي : لما خرج رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف ، وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فأمر الله بنقض عهودهم وذلك قوله تعالى (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ) [الأنفال : ٥٨] انتهى. وذكر ذلك ابن إسجاق وغيره ، ولعله أطلق هنا ولم يقيد ممن خيف نقضه ليكون ذلك أول السورة مؤذنا بأن الخيانة وهم بالنقض شأن أكثرهم ولا سيما مشركو قريش ، وهم ـ لكون قريش رؤوس
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
