السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨))
ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعا على تقرير أدلة التوحيد ، وكان المقصود من الإنذار الرجوع عن الإلحاد ، قال منكرا عليهم عدم النظر في دلائل التوحيد الراد عن كل حال سيىء : (أَوَلَمْ) ولما كان الأمر واضحا قال : (يَنْظُرُوا) أي نظر تأمل واعتبار ، ودل على أنه بالبصيرة لا البصر بالصلة ، فقال إشارة إلى أن كل ذرة فيها دلائل جمة (فِي مَلَكُوتِ) وعظم الأمر بقوله : (السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي ملكهما البالغ من حد العظمة أمرا باهرا بظاهره الذي يعرفونه وباطنه الذي يلوح لهم ولا يدركونه.
ولما كانت أدلة التوحيد تفوت الحصر ، ففي كل ذرة برهان قاهر ودليل ساطع باهر ، قال ؛ (وَما) أي وفيما (خَلَقَ اللهُ) أي على ما له من الجلال والجمال (مِنْ شَيْءٍ) أي غيرهما ، ليعلموا أنه لا يقدر على شيء من ذلك فضلا عن ذلك غيره ، ويتحققوا أن كتابه سبحانه مباين لجميع مخلوقاته فيعلموا أنه صفته سبحانه وكلامه ، فلا يلحدوا في أسمائه فلا يسموا بشيء منها غيره لما ظهر لهم من تمام قدرته وتمام عجز غيره عن كل شيء ومن شمول علمه وتناهي جهل غيره بكل شيء إلى غير ذلك حتى يعلموا بعضمة هذا الكون أنه سبحانه عظيم ، وبقهره لكل شيء أنه قهار شديد ، وبعجز كل شيء عن كل شيء من أمره أنه عزيز ، وبإسباغه النعمة أنه رحيم كريم إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العلى التي تنطق الأشياء بها بألسنة الأحوال وتتحدث بها صدور الكائنات وإن لم يكن لها مقال ، ويشرحها كلام التدبير بما له من الكمال (وَأَنْ عَسى) أي وينظروا في الإشفاق والخوف من أنه ممكن وخليق وجدير (أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ) أي دنا دنوّا عظيما (أَجَلُهُمْ) أي الذي لا شك عندهم في كونه بموتة من موتات هذه الأمم التي أسلفنا أخبارها كنفس واحدة أو بالتدريج فيبادروا بالإيمان به خشية انخرام الأجل للنجاة من أعظم الوجل ، فإن كل عاقل إذا جوز خطرا ينبغي له أن ينظر في عاقبته ويجتهد في الخلاص منه.
ولما كان قد تقدم في أول السورة النهي عن التحرج من الإنذار بهذا الكتاب ، وبان بهذه الآيات أنه صلىاللهعليهوسلم اتصف بالإنذار به حق الاتصاف ، وبان أن القرآن مباين لجميع المخلوقات ، فثبت أنه كلام الله ؛ تسبب عن ذلك الإنكار على من يتوقف عن الإيمان به ، والتخويف من إحلال أجله قبل ذلك فيقع فيما لا يمكنه تداركه ، وذلك في أسلوب دال على أن الإيمان بعد هذا البيان مما لا يسوغ التوقف فيه إلا لانتظار كلام آخر فقال :
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
