فيكون أوله مخالفا لآخره ، قال : (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) أي من أيام تأسيسه ، وفيه إشارة إلى ما تقدم من احتمال أن يريد أحد من أهل الإخلاص أن يتخذه مصلى ، فبين أنه لا يصلح لذلك لأن تأسيسه كان لما هو مباعد له (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) أي بالصلاة والوعظ وغيره من مسجد لم يقصد به التقوى على تقدير فرض محال إلا في ثاني الحال.
ولما مدحه مدح أهله بقوله : (فِيهِ رِجالٌ) أي لهم كمال الرجولية (يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) أي في أبدانهم وقلوبهم كمال الطهارة ـ بما أشار إليه الإظهار ، فهم دائما في جهاد أنفسهم في ذلك فأحبهم الله (وَاللهُ) أي الذي له صفات الكمال (يُحِبُ) أي يفعل ما يفعل المحب من الإكرام بالفضل والإحسان ، ولإثبات ما أفهم الاجتهاد حصل الغنى عن إظهار تاء التفعل أو للندب إلى الطهارة ولو على أدنى الوجوه المجزئة فقال : (الْمُطَّهِّرِينَ) أي قاطبة منهم ومن غيرهم.
(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠) إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١))
ولما علم من هذا بطريق الإشارة والتلويح أن التأسيس مثل ابتداء خلق الحيوان ، فمن جبل من أول مرة جبلة شر لا يصلح للخير أبدا ولا يقبله كما قال تعالى (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) [الأنفال : ٢٣] ذكره على سبيل التصريح فسبب عما مضى قوله ممثلا الباطل ببناء على حرف واد واه جدا على شفير جهنم : (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ) أي كما أشرت إليه في المسجد المحثوث بالإقبال عليه (عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ) أي الملك الأعلى (وَرِضْوانٍ) فكان كمن بنى بنيانه على جبل لا تهدمه الأمطار ولا تؤثر فيه السيول (خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ) على فسق وفجور وعدم اكتراث بالأمور فكان كمن بنى بنيانه (عَلى شَفا) أي حرف ، ومنه الشفة (جُرُفٍ) أي مكان جفرة السيل وجرفه فصار مشرفا على السقوط ، ولذلك قال : (هارٍ) أي هائر ، من هار الجرف ـ إذا أشرف لتخريق السيول على السقوط (فَانْهارَ) أي فكان بناؤه لذلك سببا لأنه سقط سقوطا لا تماسك معه (بِهِ) أي وهو فيه آمنا من سقوطه بقلة عقله وسفاهة رأيه (فِي نارِ جَهَنَّمَ) فالجواب : لا شك الأول خير بل ، لا خير في الثاني أصلا ، والعجب كل العجب من
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
