لأنهم ينكرون أن هلاكهم لأجل ظلمهم : (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا) أي بما لنا من العظمة (الْقُرُونَ) أي على ما لهم من الشدة والقوة ؛ ولما كان المهلكون هلاك العذاب المستأصل بعض من تقدم ، أثبت الجار فقال : (مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا) أي تكامل ظلمهم إهلاكا عم آخرهم وأولهم كنفس واحدة دفعا لتوهم أنه سبحانه لا يعم بالهلاك ، وقال تعالى عطفا على (أَهْلَكْنَا : وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ) أي إلى كل أمة رسولها (بِالْبَيِّناتِ) أي التي بينت بمثلها الرسالة (وَما) أي والحال أنهم ما (كانُوا) أي بجبلاتهم ، وأكد النفي بمن ينكر أن يتأخر إيمانهم عن البيان فقال : (لِيُؤْمِنُوا) ولو جاءتهم كل آية ، تنبيها لمن قد يطلب أنه سبحانه يريهم بوادر العذاب أو ما اقترحوه من الآيات ليؤمنوا ، فبين سبحانه أن ذلك لا يكون سببا لإيمان من قضى بكفره ، بل يستوي في التكذيب حاله قبل مجيء الآيات وبعدها ليكون سببا لهلاكه. فكأنه قيل : هل يختص ذلك بالأمم الماضية؟ فقيل : بل (كَذلِكَ) أي مثل ذلك الجزاء العظيم (نَجْزِي الْقَوْمَ) أي الذين لهم قوة على محاولة ما يريدونه (الْمُجْرِمِينَ) لأن السبب هو العراقة في الإجرام وهو قطع ما ينبغي وصله ، فحيث ما وجد وجد جزاؤه ؛ والإهلاك : الإيقاع فيما لا يتخلص منه من العذاب ؛ والقرن : أهل العصر لمقارنة بعضهم لبعض.
ولما صرح بأن ذلك عام لكل مجرم ، أتبعه قوله : (ثُمَّ جَعَلْناكُمْ) أي أيها المرسل إليهم أشرف رسلنا (خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ) أي لا في خصوص ما كانوا فيه : ولما كان زماننا لم يستغرق ما بعد زمان المهلكين أدخل الجار فقال : (مِنْ بَعْدِهِمْ) أي القرون المهلكة إهلاك الاستئصال (لِنَنْظُرَ) ونحن ـ بما لنا من العظمة ـ أعلم بكم من أنفسكم ، وإنما ذلك لنراه في عالم الشهادة لإقامة الحجة (كَيْفَ تَعْمَلُونَ) فيتعلق نظرنا بأعمالكم موجودة تخويفا للمخاطبين من أن يجرموا فيصيبهم ما أصاب من قبلهم.
(وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨))
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
