العجائب وما اشتملت عليه من الرغائب والغرائب ، ولذلك مد لها الميدان وأطلق في سياقها للجواد العنان فقال : (ثُمَّ بَعَثْنا) أي على عظمتنا (مِنْ بَعْدِهِمْ) أي الرسل المذكورين والأمم المهلكين (مُوسى بِآياتِنا) أي التي يحق لها العظمة بإضافتها إلينا فتثبت بها النبوة (إِلى فِرْعَوْنَ) هو علم جنس لملوك مصر ككسرى لملوك فارس وقيصر لملوك الروم ، وكان اسم فرعون موسى عليهالسلام قابوس ، وقيل : الوليد بن مصعب ابن الريان (وَمَلَائِهِ) أي عظماء قومه ، وخصهم لأنهم إذا أذعنوا أذعن من دونهم ، فكأنهم المقصودون والإرسال إليهم إرسال إلى الكل.
ولما سببت لهم الظلم قال : (فَظَلَمُوا) أي وقعوا في مثل الظلام حتى وضعوا الأشياء في غير مواضعها فوضعوا الإنكار موضع الإقرار (بِها) أي بسبب رؤيتها خوفا على رئاستهم ومملكتهم الفانية أن تخرج من أيديهم ؛ ولما كان ذلك من أعجب العجب ، وهو أن سبب العدل يكون سبب الظلم ، وكان هذا الظلم أعظم الفساد ، سبب عنه قوله معجبا : (فَانْظُرْ) أي بعين البصيرة (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ) أي آخر أمر (الْمُفْسِدِينَ) فلخص في هذه الآية على وجازتها جميع قصتهم على طولها ، وقدم ذكر الآيات اهتماما بها ولأنها الدليل على صحة دعوى البعث.
(وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩))
ولما كان التقدير عطفا على (فَظَلَمُوا بِها :) ووضعها موسى مواضعها ، عبر عنه بقوله : (وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ) خاطبه بما يعجبه امتثالا لأمر الله تعالى له أن يلين في خطابه ، وذلك لأن فرعون لقب مدح لمن ملك مصر.
ولما أتاهم عليهالسلام وهم عارفون بأمانته وصدقه وعظم مكانته ومكارم أخلاقه وشريف عنصره وعظيم مخبره ، وفرعون أعظمهم معرفة به لأنه ربي في حجره ، كان هذا حالا مقتضيا لأن يلقي إليهم الكلام غير مؤكد ، لكن لما كان الإرسال من الله أمرا عظيما جدا ، وكان المقصود به تخلية سبيل بني إسرائيل ، وكان فرعون ضنينا بذلك ، أكده بعض التأكيد فقال : (إِنِّي رَسُولٌ) ثم بين مرسله بقوله : (مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) أي المحسن إليهم أجمعين ـ وأنتم منهم ـ بإيجادهم وتربيتهم ، فهو تنبيه لمن سمعه على أن فرعون مربوب مقهور.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
