العداوة (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) بعد غاية التباغض ، فصار البعيد منهم قريبا والبغيض حبيبا والعدو صديقا ، وكانوا على قلب واحد ؛ ثم استأنف الإخبار بما دل على تعذر ألفتهم لو لا هو فقال : (لَوْ أَنْفَقْتَ) أي وأنت أتقن الخلق لما تصنعه (ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) أي في إرادة ذلك (ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) ثم أكد ذلك بقوله : (وَلكِنَّ اللهَ) أي وهو الذي له جميع صفات الكمال (أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) ثم علل نفوذ فعله وأمره فيه بقوله : (إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) أي لأنه لو لا عزته التي تغلب كل شيء ولا يغلبها شيء وحكمته التي يتقن بها ما أراد بحيث لا يمكن لأحد أن يغير شيئا منه لما تألفوا بعد أن كان قبل كل أحد من فريقيهم للآخر أشهى من لذيذ الحياة وصافي العيش لما بينهم من الإحن التي لا تزال تثور فتغلي لها الصدور حتى تفور بقتل الأحباب من الوالدين والأولاد والقهر بأنواع الأذى مع المجاورة المقتضية لدوام التحاسد وإثارة الضغائن ، وكذا فعل سبحانه بجميع العرب بعدما كان بينهم من القتل المنتشر مع ما لهم من الحمية والأنفة الحاملة على الانتقام. والذي أمدك بهذه الألطاف حي لا يموت باق على ما كان عليه من القدرة والقوة ، فهو الكفيل بحراستك ممن يريد خداعك ، فإذا أمركم بأمر فامتثلوه غير مفكرين في عاقبته ، فإنه قد بينه بعزته وأتقنه بحكمته وستعلمون.
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧))
ولما صرح بأن الله كافيه ، وكانت كفاية الله للعبد أعظم المقاصد ، التفتت الأنفس إلى أنه هل يكفيه مطلقا أو هو فعل مع المؤمنين أيضا مثل ذلك ، فأتبعها بقوله معبرا بوصف النبوة الذي معناه الرفعة والاطلاع من جهة الله على ما لا يعلمه العباد ، لأنه في سياق الإخبار ببعض المغيبات والتصرف في الملكوت : (يا أَيُّهَا النَّبِيُ) أي العالي القدر الذي نعلمه بعواقب أموره (حَسْبُكَ) أي كافيك (اللهُ) أي الذي بيده كل شيء (وَمَنِ) أي مع من (اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يجوز أن يكون المعية من ضميره صلىاللهعليهوسلم فيكون المؤمنون مكفيين ، وأن يكون من الجلالة فيكونوا كافين ، حتى يكون المعنى : فهو كافيهم أيضا وهم كافوك لأنه معهم ، وساق سبحانه هذا هكذا تطييبا لقلوبهم وجبرا
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
