(مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) فيفضحون بذلك ، وذلك موجب للتوبه للعلم بأن من علم سرائرهم ـ التي هم مجتهدون في إخفائها ـ عالم بكل شيء قادر على كل مقدور ، فهو جدير بأن تمتثل أوامره وتخشى زواجره.
ولما كان عدم توبتهم مع فتنتهم على هذا الوجه مستبعدا ، أشار إليه بأداة التراخي فقال : (ثُمَّ لا يَتُوبُونَ) أي لا يجددون توبة (وَلا هُمْ) أي بضمائرهم (يَذَّكَّرُونَ) أي أدنى تذكر بما أشار إليه الإدغام ، فلو لا أنه حصلت لهم زيادة في الرجس لأوشك تكرار الفتنة أن يوهي رجسهم إلى أن يزيله ولكن كلما أوهى شيئا خلقه مثله أو أكثر بسبب الزيادات المترتبة على وجود نجوم القرآن ، والتذكر طلب الذكر للمعنى بالكفر فيه ، فالآية ذامة لهم على عدم التوبة بإصابة المصائب لعدم تذكر أنه سبحانه ما أصابهم بها إلا بذنوبهم (وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى : ٣٤] كما أن أحدهم لا يعاقب فتاه إلا بذنب وما لم يتب فهو يوالي عقابه.
ولما ذكر ما يحدث منهم من القول استهزاء ، أتبعه تأكيدا لزيادة كفرهم وتوضيحا لتصويره ما يحدث من فعلهم استهزاء من الإيمان والتغامز بالعيون فقال : (وَإِذا) وأكد بالنافي فقال : (ما) ولما كان الغرض نفس الإنزال لا تعيين المنزل ، بني للمفعول قوله : (أُنْزِلَتْ سُورَةٌ) أي طائفة من القرآن (نَظَرَ بَعْضُهُمْ) أي المنافقين (إِلى بَعْضٍ) أي متغامزين سخرية واستهزاء قائلين : (هَلْ يَراكُمْ) وأكدوا العموم فقالوا : (مِنْ أَحَدٍ) أي من المؤمنين إن انصرفتم ، فإنه يشق علينا سماع مثل هذا ، ويشق علينا أن يطلع المؤمنون على هذا السر منا.
ولما كان انصرافهم عن مثل هذا المقام مستهجنا ، أشار إلى شدة قبحه بأداة التراخي فقال : (ثُمَّ انْصَرَفُوا) أي إن لم يكن أحد يراهم ، وإن رآهم أحد من المؤمنين تجشموا المشقة وثبتوا ؛ ولما كانوا مستحقين لكل سوء ، أخبر عنهم في أسلوب الدعاء بقوله : (صَرَفَ اللهُ) أي الذي له الغنى المطلق والكمال كله (قُلُوبَهُمْ) أي عن الإيمان ؛ ثم علل ذلك بقوله : (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ) وإن كانوا ذوي قوة على ما يحاولونه فإنهم (لا يَفْقَهُونَ) أي قلوبهم مجبولة على عدم الفهم لما بها من الغلظة ، وهذا دليل على ختام الآية قبلها ، وهاتان الآيتان المختتمتان ـ ب (لا يَفْقَهُونَ) التاليتان للأمر بالجهاد في قوله (قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) الموازي ـ (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً) الآية ـ قد احتوتا مع وجازتهما على حاصل أوصاف المنافقين التالية لآية (انْفِرُوا) المختتم ما هو العام منها في أهل الحاضرة في قوله (اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ) ب (يَفْقَهُونَ) ثم عند إعادة ذكرهم ب (لا يَعْلَمُونَ ،) وتصويب هاتين الآيتين إلى أهل الحاضرة ظاهر لكونهم
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
