الموصوف بالمرود ، فألحق بهم الضرر فقال : (وَالَّذِينَ) وهو معطوف في قراءة من أثبت الواو على قوله (وَآخَرُونَ) وخبره على ما يليق بالقصة : منافقون ماردون ، وأما على قراءة المدنيين وابن عامر بحذفها فيكون على تقدير سؤال سائل ، وذلك أنه لما قال تعالى (لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) تشوفت النفس إلى الإعلام بهم ، فلما قال (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) اشتغل السامع بتفهمه ، وربما ظن أنه يأتي في آخر الكلام من تسميتهم ما يغنيه عن السؤال ، فلما إنتقل بقوله (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ) إلى قسم آخر ، وختم الآية بصفتي العلم والحكمة ليعلم أن الترديد للتقسيم وأنه إن كان شك فهو بالنسبة إلى العباد وأما الله تعالى فمنزه عنه فذكر السامع بالصفتين ما كان دار في خلده ومال إليه قلبه من الإعلام بالماردين على النفاق ، فاشتد تشوفه إليه فكان كأنه قال : من من الماردين منهم؟ فقال تعالى الذين (اتَّخَذُوا مَسْجِداً) أي من الماردين وهم من أعظمهم مهارة في النفاق وإخفاء الكيد والشقاق لأنهم توصلوا إلى ذلك بأن كلفوا أنفسهم الأخذ لأعظم عرى الدين مع المنازعة للفطرة الأولى والحذر من أن يفضحوا ، فكان ختام هذه الآية من بديع الختام فإنه احتراس عما يتوهم فيما قبله ودليل على ما بعده ، ولذلك ختم قصتهم أيضا بصفتي العلم والحكمة ، ولاح من هذا أن قوله (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) يمكن أن يراد به : مرة برجوعك ، ومرة بإخرابك مسجدهم وتفريقك لشملهم بعد هتك سرائرهم بكشف ضمائرهم ، وبيّن سبحانه علة اتخاذهم بقوله : (ضِراراً) أي لأهل مسجد قباء أو لحزب الله عامة (وَكُفْراً) أي بالله لاتخاذ دينه هزؤا (وَتَفْرِيقاً) أي مما يبيتونه من المكايد باستجلابهم لبعض من يخدعونه من المؤمنين ويطمعون فيه ليأتي مسجدهم ويترك المسجد المؤسس على التقوى (بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي الراسخين في الإيمان بما جاء من عند الله ، لأنهم كانوا يجتمعون في مسجد قباء فيغتص بهم (وَإِرْصاداً) أي إعدادا وانتظارا (لِمَنْ حارَبَ اللهَ) أي الملك الأعظم (وَرَسُولَهُ) ولما لم تكن محاربتهم مستغرقة للزمن الماضي ، أدخل الجار فقال : (مِنْ قَبْلُ) أي قبل اتخاذهم لهذا المسجد بزمن قريب وهو أبو عامر الفاسق ليأتي إليهم فيزيدهم قوة على نفاقهم بأن يصير كهفا يأوون إليه ورأسا لهم يتجمعون عليه «وذلك أنه كان من بني غنم بن عوف ، وهو والد حنظلة الغسيل الذي كان من خيار الصحابة ، وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح ، فلما قدم النبي صلىاللهعليهوسلم المدينة قال له : ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال : الحنيفية دين إبراهيم ، قال أبو عامر : أنا عليها ، قال صلىاللهعليهوسلم : لست عليها ، قال : بلى ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها ، قال : ما فعلت ، ولكني جئت بها بيضاء نقية ، قال أبو عامر : أمات الله الكاذب منا طريدا شريدا وحيدا غريبا! فقال صلىاللهعليهوسلم : آمين! وسماه
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
