الفاسق ، ثم تحيز إلى قريش وقاتل النبي صلىاللهعليهوسلم معهم يوم أحد وقال : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ، فلما قاتل يوم حنين مع هوازن وانهزموا أيس وهرب إلى الشام ، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجنود ومخرج محمدا! وكانوا قد حسدوا إخوانهم بني عمرو بن عوف على مسجد قباء لما بنوه ، وكان النبي صلىاللهعليهوسلم يأتيه ويصلي فيه ، فبنوا مسجد الضرار وأرسلوا إليه صلىاللهعليهوسلم ليأتيهم فيصلي فيه ، وكان يتجهز لتبوك فقال : أنا على جناح سفر وحال شغل ، وإذا قدمنا صلينا فيه إن شاء الله! فلما قدم فكان قريبا من المدينة نزلت الآية ، فدعا مالك بن الدخشم وجماعة وقال لهم : انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ، ففعلوا ، وأمر صلىاللهعليهوسلم أن يتخذ مكانه كناسه يلقي فيها الجيف والقمامة ؛ ومات أبو عامر بالشام وحيدا غريبا طريدا (١) وقيل : كل مسجد بني مباهاة أو لغرض ليس به إخلاص أو بمال مشتبه فهو لا حق بمسجد الضرار.
ولما أخبر عن سرائرهم ، أخبر عن نفاقهم في ظواهرهم بقوله : (وَلَيَحْلِفُنَ) أي جهد أيمانهم (إِنْ) أي ما (أَرَدْنا) أي باتخاذ له (إِلَّا الْحُسْنى) أي من الخصال ؛ ثم كذبهم بقوله : (وَاللهُ) أي الذي له الإحاطة الكاملة (يَشْهَدُ) أي يخبر إخبار الشاهد (إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) وقد بان بهذا كله أن سبب فضيحتهم ما تضمنه فعلهم من عظيم الضرر للإسلام وأهله ؛ ثم قال ناهيا عن إجابتهم إلى ما أرادوا به من التلبيس إنتاجا عن هذا الكلام الذي هو أمضى من السهام : (لا تَقُمْ فِيهِ) أي مسجد الضرار (أَبَداً) أي سواء تابوا أو لا ، وأراد بعض المخلصين أن يأخذه أولا ، أي لا بد من إخرابه ومحو أثره عن وجه الأرض.
ولما ذمه وذم أهله ، مدح مسجد النبي صلىاللهعليهوسلم ، إما الذي بالمدينة الشريفة وإما الذي ببني عمرو بن عوف بقباء على الخلاف في ذلك. وهو الذي اتخذ في أول الإسلام مسجدا إحسانا وإيمانا وجمعا بين المؤمنين وإعدادا لمن صادق الله ورسوله ، ومدح أهله إرشادا لكل من كان مال إليه من المؤمنين لقرب أو غيره إلى العوض عنه ، ولعله أبهم تعيينه وذكر وصفه ليكون صالحا لكل من المسجدين.
لما اتصف بهذا الوصف من غيرهما فقال مؤكدا تعريفا بما له من الحق ولما للمنافقين من التكذيب : (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ) أي وقع تأسيسه (عَلَى التَّقْوى) أي فأحاطت التقوى به لأنها إذا أحاطت بأوله أحاطت بآخره ؛ ولما كان التأسيس قد تطول مدة أيامه
__________________
(١) ذكره الواحدي في أسبابه ٥٢٧ بلا سند. وأخرجه بنحوه الطبري في تفسيره ١٧٢١٢ عن ابن زيد و ١٧٢٠٠ عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم بنحوه.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
