والقدرة فاعملوا عمل من يعلم أنه بعين الله (وَرَسُولُهُ) أي بإعلام الله له. ولما كان هذا القسم من المؤمنين فكانت أعمالهم لا خفاء فيها ، قال (وَالْمُؤْمِنُونَ) فزينوا أعمالكم جهدكم وأخلصوا ، وفي بعض الأحاديث «لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها لأظهر الله عمله للناس كائنا ما كان» (١).
ولما كان هذا السياق للمؤمنين حذف منه «ثم» لكنه لما كان للمذنبين ، أكد بالسين فقال : (وَسَتُرَدُّونَ) أي بوعد لا خلف فيه (إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) أي بعد الموت والبعث (فَيُنَبِّئُكُمْ) أي بعلمه بكل شيء (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي ما أظهرتم عمله وما كان في غرائزكم ، فلو تأخرتم تظهرتم ، يجازيكم على حسنة ويزيد من فضله ، وعلى سيئة عدلا إن شاء ولا يظلم مثقال ذرة.
ولما ذكر القسمين المنجز عذابهم ومثابهم ، ذكر المؤخر أمرهم وهو القسم الظالم لنفسه في الذي بدأ به في سورة فاطر سورة الحشر الآخر ، ولا يبعد أن تكون هذه سورة الحشر الأول لأنه صلىاللهعليهوسلم ساق الناس إلى أرض المحشر فقال : (وَآخَرُونَ) أي ومنهم آخرون (مُرْجَوْنَ) أي مؤخرون بين الرجاء والخوف (لِأَمْرِ اللهِ) أي لما يأمر به فيهم الملك الأعظم الذي له الأمر كله لا يدرون أيعذبون أم يرحمون ؛ وقدم قوله ـ : (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ) إن أصروا ـ تخويفا لهم حملا على المبادرة إلى التوبة وتصفيتها والإخلاص فيها وحثا على أن يكون الخوف ما دام الإنسان صحيحا أغلب وثنى بقوله : (وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) أي إن تابوا ترجية لهم وترقيقا لقلوبهم بالتذكير بمنزل الأنس الذي أخرجوا أنفسهم منه ومنعوها من حلوله وطيب مستقره ومقيله وحليّ أوقاته وعليّ مقاماته وشهيّ أقواته.
ولما كان ربما قال قائل : ما فائدة التأخير وما المانع من التنجيز؟ قال : (وَاللهُ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما (عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ترهيبا وترغيبا وتبعيدا وتقريبا واحتراسا مما قد يوهمه الترديد من الشك وتدريبا ، وقراءة غفور رحيم للزيادة في الترجية.
ولما ذكر الذين أقامهم في مقام الخطر أتبعه تعيين طائفة من القسم الأول المستور
__________________
(١) غير قوي ، أخرجه ابن حبان ٥٦٧٨ وأبو يعلى ١٣٧٨ والديلمي في الفردوس ٥٠٩٣ والحاكم ٤ / ٣١٤ وأحمد ٣ / ٢٨ من حديث أبي سعيد الخدري وفي إسناده دراج وهو ضعيف في حديثه عن أبي الهيثم ، وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي!. وذكره الهيثمي في المجمع ١٠ / ٢٢٥ وقال : رواه أحمد وأبو يعلى وإسنادهما حسن ا ه قلت : مداره على درّاج عن أبي السمح. قال عنه أحمد : أحاديثه مناكير. وكذا قال النسائي وغيرهما.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
